للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ص:  >  >>

[فصل]

ومن تلبيسه عليهم: أنه يوهمهم أن الزهد هو القناعة بالدون من المطعم والملبس فحسب، فهم يقنعون بذلك وقلوبهم راغبة في الرياسة وطلب الجاه، فتراهم يترصدون لزيارة الأمراء إياهم، ويكرمون الأغنياء دون الفقراء، ويتخاشعون عند لقاء الناس كأنهم قد خرجوا من مشاهدة، وربما رد أحدهم المال لئلا يقال: قد بدا له الزهد، وهم من تردد الناس إليهم وتقبيل أيديهم في أوسع باب من ولايات الدنيا؛ لأن غاية الدنيا الرياسة.

[فصل]

وأكثر ما يلبس به إبليس على العباد والزهاد خفي الرياء (١)، فأما الظاهر من الرياء فلا يدخل في التلبيس، مثل: إظهار النحول، وصفار الوجه، وشعث الشعر؛ ليستدل بذلك على الزهد، وكذلك خفض الصوت لإظهار الخشوع، وكذلك الرياء بالصلاة والصدقة، ومثل هذه الظواهر لا تخفى، وإنما نشير إلى خفي الرياء، وقد قال النبي : "إنما الأعمال بالنيات" (٢)، ومتى لم يرد بالعمل وجه الله تعالى لم يقبل.

قال مالك بن دينار: قولوا لمن لم يكن صادقًا لا تتعنّ (٣).

واعلم أن المؤمن لا يريد بعمله إلا الله سبحانه، وإنما يدخل عليه خفي الرياء فيلتبس الأمر، فنجاته منه صعبة.


(١) سمّاه خفيًّا لأنه عمل قلب لا يعلمه إلا الله، وقلّ من ينجو منه إلا بتوفيق الله تعالى إلى الإخلاص في النيات، والإرادات، والأقوال والأفعال ..
انظر: حاشية كتاب التوحيد، للشيخ عبد الرحمن بن قاسم (ص ٢٦٤، ٢٦٧).
(٢) أخرجه البخاري في عدة مواضع منها: (١/ ٩ رقم ١)، ومسلم (٣/ ١٥١٥ رقم ١٩٠٧)، وأبو داود (٢/ ٦٥١ رقم ٢٢٠١)، والترمذي (٤/ ١٥٤ رقم ١٦٤٧)، والنسائي (١/ ٥٨ - ٥٩)، وابن ماجه (٢/ ١٤١٣ رقم ٤٢٢٧)، وأحمد (١/ ٢٥، ٤٣)، وهو حديث مشهور.
(٣) ذكره ابن الجوزي في صيد الخاطر (ص ٤٩٤).

<<  <   >  >>