للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ص:  >  >>

الأول: وقد مرَّ معنا في دليل الخلق والعناية، وقد ذكر هذا عند تفسيره لقوله تعالى: ﴿وَفِي أَنْفُسِكُمْ﴾ [الذاريات: ٢١]، فقال: "آياتٌ إذ كنتم نُطفًا، ثم عظامًا، ثم علقًا، ثم مُضغًا … " (١)، ولا داعي للتفصيل في هذا دفعًا للتكرار.

الثاني: ومضمون هذا الدليل أن النفس مقطوع بوجودها، رغم أن الحس لم يثبت ذلك فضلًا عن أن يحيط بها علمًا؛ فإذا صحّ هذا في النفس وهي مخلوقة أفلا يكون الخالق ﷿ أولى ألّا تدركه الحواس! وهذا من أعظم الأدلة التي حاجّ بها ابن الجوزي عقول الملحدين المعاندين.

وهذه بعض أقواله الجامعة في ذلك: "لنا أشياء لا تدرك إلا جملة كالنفس والعقل، ولم يمتنع أحدٌ من إثبات وجودهما" (٢).

وقال أيضًا: "من أكبر الدليل على وجود الخالق سبحانه هذه النفس الناطقة المميزة المحركة للبدن على مقتضى إرادتها، فقد دبّرت مصالحها، وترقت إلى معرفة الأفلاك، واكتسبت ما أمكن تحصيله من العلوم .. فلم يحجبها سترٌ وإن تكاثف، ولا يُعرف مع هذا ماهيتها، ولا كيفيتها، ولا جوهرها، ولا محلها .. وهذا كله يوجب عليها أن لها مدبِّرًا وخالقًا، وكفى بذلك دليلًا عليه! إذ لو كانت وُجدت بها لما خفيت أحوالها عليها، فسبحانه سبحانه! " (٣).

خامسًا: دليل حلول الحوادث:

استدل ابن الجوزي للمرة الوحيدة -فيما وقفتُ عليه- بهذا الدليل الكلامي على وجود الخالق تعالى، وقد علَّقتُ على هذا في موطنه، وبيّنتُ حقيقة


(١) زاد المسير (٨/ ٣٣).
(٢) انظر (ص ١٦٦).
(٣) صيد الخاطر (ص ٣٤٠ - ٣٤١).

<<  <   >  >>