للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ص:  >  >>

ولهم شيءٌ يسمُّونَه البَسِيطَ (١) يُزْعِجُ القلوبَ عن مَهَلٍ ثم يأتون بالنشيد بعده فيُجَعْجعُ القلوبَ.

وقد أضافوا إلى ذلك ضرْبَ القضيبِ والإيقاعَ به على وفق الإنشاد، والدُّفَّ بالجلاجِل، والشَّبَّابةَ النائبةَ عن الزَّمْرِ فهذا الغناء المعروف اليوم.

[فصل]

وقبلَ أنْ نتكَلَّم في إباحتِه أو تحريمه أو كراهته نقول: ينبغي للعاقل أنْ ينصح نفسه وإخوانه، ويحذر تلبيسَ إبليس في إجراء هذا الغناء مَجْرى الأقسام المتقدمة التي يُطْلَق عليها اسمُ الغناء فلا يحمل الكل محملًا واحدًا، فيقول: قد أباحه فلان وكرهه فلان.

فنبدأُ بالكلام في النصيحة للنفس والإخوان فنقول: معلومٌ أن طباع الآدميِّين تتقاربُ ولا تكادُ تتفاوتُ فإذا ادَّعى الشَّابُ السَّليمُ البدن الصحيح المزاج أن رؤية المستحسنات لا تزعجه ولا تؤثِّر عنده ولا تضرُّه في دينه كَذَّبناه؛ لما نعلمُ من استواء الطِّبَاع، فإنْ ثبتَ صدْقُه عرفنا أن به مرضًا خرج به عن حَيِّز الاعتدال.

فإنْ تعلَّل فقال: إنما أنظرُ إلى هذه المستحسنة مُعْتَبِرًا، فأتعجَّب من حُسْن الصنعة في دَعَج العينين (٢)، ورقَّة الأنف، ونقاءِ البياض.

قلنا له: في أنواع المباحات ما يكفي في العبرة وهاهنا ميل من طبعك يَشْغَلُك عن الفكرة، ولا يدعُ لبلوغِ شهوتك وجودَ فكرةٍ فإنَّ ميل الطبع شاغلٌ عن ذلك.


(١) البَسِيط: جِنْس من العَرُوضِ فهو أحد بحور الشعر فلعلهم يسجعون غناءهم على وزنه. انظر: لسان العرب ٧/ ٢٦٠ والمعجم الوسيط ١/ ٥٦.
(٢) دعج العين هو: شدة سوادها مع سعتها وقيل شدة سوادها في شدة بياضها. انظر: غريب الحديث ٣/ ٢٦ والعين ١/ ٢١٩.

<<  <   >  >>