للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ص:  >  >>

فقال: فرجت والله عني! فقد كنت مشغول القلب إلى أن يحصل لك، قال: ثم أخذ الدواة فوقَّع لي إلى خازنه بثلاثة آلاف دينار صلة، فأخذتها وامتنعت أن أعرض عليه شيئًا، ولم أدر كيف أقع منه، فلما كان من غد جئته وجلست على رسمي، فأومأ إليَّ هات ما معك يستدعي مني الرقاع على الرسم، فقلت: ما أخذت من أحد رقعة؛ لأن النذر قد وقع الوفاء به ولم أدر كيف أقع من الوزير؟

فقال: يا سبحان الله أتراني كنت أقطع عنك شيئًا قد صار لك عادة، وعلم به الناس، وصارت لك به منزلة عندهم وجاه وغدو ورواح إلى بابك، ولا يعلم سبب انقطاعه؛ فيظن ذلك لضعف جاهك عندي أو تغير رتبتك، اعرض عليَّ رسمك وخذ بلا حساب! فقبلت يده وباكرته من غد بالرقاع، وكنت أعرض عليه كل يوم شيئًا إلى أن مات وقد تأثلت (١) حالي هذه (٢).

قال المصنف: قلت: انظروا ما يصنع قلة الفقه! فإن هذا الرجل الكبير القدر في معرفة النحو واللغة لو علم أن هذا الذي جرى له لا يجوز شرعًا ما حكاه وتبجَّح به، وإن إيصال الظلامات واجب، لا يجوز أخذ البرطيل (٣) عليها، ولا على شيء مما نصب الوزير له من أمور الدولة، وبهذا تَبِيْنُ مرتبةُ الفقيه على غيره!

[ذكر تلبيس إبليس على الشعراء]

قد لبَّس عليهم فأراهم أنكم من أهل الأدب، وأنكم قد خصصتم بفطنة تميزتم بها عن غيركم، ومَن خصكم بهذه الفطنة ربما عفا عن زللكم، فتراهم يهيمون في كل وادٍ من الكذب والقذف والهجاء وهتك الأعراض والإقرار بالفواحش، وأقل


(١) أي: تأصلت. القاموس المحيط (أثل).
(٢) أخرجه ابن الجوزي في "المنتظم" (١٣/ ٢٢٤ - ٢٢٦)، والخطيب البغدادي في "تاريخ بغداد" (٦/ ٩٠ - ٩٢).
(٣) البرطيل: الرشوة. القاموس (بَرْطَلَ).

<<  <   >  >>