للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ص:  >  >>

إفسادها، قد تمكنت تمكنًا يكون الطمع في تمحيقها فضلًا عن إزالتها حمقًا، فلها مجمع كل سنة بعَرَفَة، ومجمع كل أسبوع في الجوامع، ومجمع كل يوم في المساجد، فمتى تحدثون أنفسكم بتكدير هذا البحر الزاخر وتمحيق هذا الأمر الظاهر! في الآفاق يؤذن كل يوم على ما بين ألوف منابر أشهد أن محمدًا رسول الله ، وغاية ما أنتم عليه حديث في خلوة، أو متقدم في قلعة، إن نبس بكلمة رمي رأسه وقُتِلَ قتل الكلاب، فمتى يحدث العاقل منكم نفسه بظهور ما أنتم عليه على هذا الأمر الكلي الذي قد طبق البلاد! فما أعرف أحمق منكم إلى أن يجيء إلى باب المناظرة بالبراهين العقلية!

[فصل]

والتهبت جمرة الباطنية المتأخرين في سنة أربع وتسعين وأربعمائة، فقَتَلَ السلطان بَرْكيارُق خلقًا منهم تحقق مذهبهم، فبلغت عدة القتلى ثلثمائة ونيفًا، وتُتُبِّعت أموالهم فوجد لأحدهم سبعون بيتًا من الزلالي (١) المحفور، وكتب بذلك كتابًا إلى الخليفة، فتقدم بالقبض على قوم يظن فيهم ذلك المذهب، ولم يتجاسر أحد أن يشفع في أحد؛ لئلا يظن ميله إلى ذلك المذهب، وزاد تتبع العوام لكل من أرادوا، وصار كل من في نفسه شيء من إنسان يرميه بهذا المذهب؛ فيقصد وينهب (٢).

وأول ما عُرِفَ من أحوال الباطنية في أيام ملك شاه جلال الدولة، أنهم اجتمعوا فصلوا صلاة العيد في ساوة، ففطن بهم السخنة (٣)، فأخذهم وحبسهم ثم أطلقهم، ثم احتالوا مؤذنًا من أهل ساوة، فاجتهدوا أن يدخل معهم فلم يفعل


(١) الزلالي: جمع الزِّلِّيَّة: وهو نوع من البسط. المعجم الوسيط (ص ٣٩٨).
(٢) انظر: المنتظم (١٧/ ٦٢ - ٦٣)، الكامل لابن الأثير (٤/ ٤١ - ٤٢)، البداية والنهاية (١٢/ ١٧٠ - ١٧١).
(٣) في "أ"و"ت": الشحنة.

<<  <   >  >>