للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ص:  >  >>

[ذكر تلبيس إبليس على الصوفية في الوحدة والعزلة]

قال المصنِّفُ : كان خيارُ السلفِ يؤثرون الوحدَةَ والعُزلَةَ عن الناسِ؛ اشتغالًا بالعلمِ والتَّعبُّدِ، إلَّا أن عُزلةَ القومِ لم تقطعهُم عن جُمُعةٍ ولا جمَاعَةٍ، ولا عِيادةِ مريضٍ، ولا شهودِ جنازةٍ، ولا قيامٍ بِحقٍّ، وإنما هيَ عُزلةٌ عن الشرِّ وأهلِهِ، ومخالطةِ البطَّالين.

وقد لبَّس إبليسُ على جماعةٍ من المتصوِّفةِ، فمنهم من اعتزلَ في جَبلٍ، كالرُّهبانِ (١)، يَبِيتُ وحدَهُ ويُصبِحُ وحدَه، ففاتتهُ الجُمُعةُ والجماعةُ ومخالطةُ أهلِ العِلمِ، وعمومُهُم اعتزلَ في الأربِطةِ، ففاتَهمَ السَّعيُ إلى المساجِدِ، وتوطؤوا فُرُشَ الرَّاحةِ، فتركوا الكَسْبَ (٢).


(١) الرُّهبان: جمع رَاهب النَّصارَى وقد يقَع على الواحِد ويُجمع على رَهابِين ورَهابِنَة ورَهْبانُون ومَصْدَرُهُ: الرَّهْبَةُ والرَّهْبَانِيَّةُ أو الرُّهْبَانُ. وأصلُ الرهبانيَّة من الرَهْبة ثم صارت اسمًا لما فضل عن المِقدار وأُفْرِطَ فيه. والرُّهبان: كانوا يترَهَّبون بالتَّخلّى من أشْغال الدُّنْيا وتَرْكِ مَلَاذِّها والزُّهْد فيها والعُزْلة عن أهْلها وتعمُّد مشاقِّها. وإن ترك الرهبان الدنيا وزَهدوا فيها وتخلَّوا عنْها فلا تَرْك ولا زُهْد ولا تَخَلّى أكثر من بَذْل النفْس في سبيل الله وكما أنه ليس عند النَّصارى عملٌ أفضلُ من التَرهُّب ففي الإسلام لا عَملَ أفضلُ من الجهَادِ في سبيل الله. انظر: غريب الحديث لابن قتيبة ١/ ٤٤٥ والنهاية في الغريب ٢/ ٦٦٩.
(٢) والعزلة المشروعة التي دعا إليها جمع من السلف ليس معناها مفارقة الناس في الجمع والجماعات وترك حقوقهم في العبادات وإفشاء السلام ورد التحيات وما جرى مجراها من وظائف الحقوق الواجبة لهم وصنائع السنن والعادات المستحسنة فيما بينهم .. إنما يراد بالعزلة ترك فضول الصحبة ونبذ الزيادة منها التي جدير ألّا يحمد غبها وتستوخم عاقبتها. وبهذا يُلحظ الفرق بين العزلة الشرعية وبين ما أحدثه المبدعة ممن يذكرهم المؤلف من الصوفية. انظر: العزلة للخطابي ص ١١ ولمزيد إيضاح في حكم العزلة ومباحثها انظر: كتاب العزلة للخطابي والعزلة لابن أبي الدنيا ومقدمة محققه ص ٦ - ٢٦ والأمر بالعزلة في آخر الزمان لابن الوزير.
ومما ينبغي أن يعلم أن ما وقع من مدح العزلة أو مدح المخالطة من كلام العلماء فليس ذلك على إطلاقه بل حكاية غالب أحواله فلا تغتر بذلك إذ لكل شخص حال ولكل حال مقال. انظر: مفتاح دار السعادة ٢/ ٢٦٧ والفتاوى ١٠/ ٤٢٥.

<<  <   >  >>