للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ص:  >  >>

وجاء آخرون فهذبوا مذهب التصوف، وأفردوه بصفات ميزوه بها من الاختصاص بالمرقعة والسماع والوجد والرقص والتصفيق، وتميزوا بزيادة النظافة والطهارة.

ثم ما زال الأمر ينمى والأشياخ يضعون لهم أوضاعًا ويتكلمون بواقعاتهم! ويتفق بُعْدُهُم عن العلماء، لا بل رؤيتهم ما هم فيه أوفى العلوم، حتى سموه العلم الباطن، وجعلوا علم الشريعة العلم الظاهر.

ومنهم من خرج به الجوع إلى الخيالات الفاسدة، فادعى عشق الحق والهيمان فيه، فكأنهم تخايلوا شخصًا مستحسن الصورة فهاموا به، وهؤلاء بين الكفر والبدعة. ثم تشعبت بأقوام منهم الطرق، ففسدت عقائدهم!

فمنهم من قال بالحلول (١) ومنهم من قال بالاتحاد (٢).

وما زال إبليس يخبطهم بفنون البدع حتى جعلوا لأنفسهم سننًا، وجاء أبو عبد الرحمن السلمي فصنف لهم "كتاب السنن" (٣)، وجمع لهم حقائق التفسير (٤)،


(١) الحلول: هو اعتقاد غلاة الصوفية أن الله تعالى اصطفى أجسامًا حلّ فيها بمعاني الربوبية، وأزال عنها معاني البشرية، والحلول عندهم أقسام، منه: النوراني، ومنه: ما هو على الدوام، ومنه: ما هو في وقت دون وقت، ومنه: حلول في القلوب. انظر: المعجم الصوفي د. الحفني (ص ٨١ - ٨٢).
(٢) الاتحاد: هو تصيير ذاتيْن ذاتًا واحدة، ومعناه: شهود الوجود الحق المطلق الذي الكلّ به متّحد، من حيث كون كل شيء موجودًا به، معدومًا بنفسه، لا من حيث أن له وجودًا خاصًّا اتحد به، فإنه محال!
انظر: اصطلاحات الصوفية للقاشاني (ص ١٣)، معجم الكلمات الصوفية للنقشبندي (ص ١١)، الغناء د. عبد الباري داود (ص ٥) وما بعدها. لكن الواقع الذي ظهر على أرباب هذا القول، هو القول بذلك المحال، وهو قول ابن عربي. انظر: مجموع الفتاوى (٢/ ١٧٢ - ١٧٥).
(٣) ذكره المقدسي في "صفوة التّصوف" (ص ٥٠٥)، والسيوطي في "الجامع الصغير" (١/ ٣٥)، وحاجي خليفة في "كشف الظّنون" (٣/ ٦٢٦)، وهو مفقود.
(٤) انظر: التلبيس (ص ٣٣١)، فتاوى ابن الصلاح (ص ٢٩)، مجموع الفتاوى (١٣/ ٢٤٢)، (١٨/ ٧٢)، السير (١٧/ ٢٥٢)، التفسير والمفسّرون (٢/ ٣٨٤).

<<  <   >  >>