للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

وقوله تعالى: ﴿وَلَا تَأْخُذْكُمْ بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ﴾ أي: في حكم اللَّه، لا ترجموهما [وترثوا لهما] [١] في شرع اللَّه، وليس المنهى عنه الرأفة الطيعية [على إقامة الحد، وإنما هي الرأفة التي تحمل الحاكم] [٢] على ترك الحد، فإنه لا [٣] يجوز له ذلك.

قال مجاهد: ﴿وَلَا تَأْخُذْكُمْ بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ﴾ قال: إِقامة الحدود إذا رفعت إلى السلطان، فتقام ولا تعطل، وكذا رُوي عن سعيد بن جبير وعطاء بن أبي رباح وقد جاء في الحديث: "تعافوا الحدود فيما بينكم، لما بلغني من حد فقد وجب" (٨) وفي الحديث الآخر: "لحد يقام في الأرض خير لأهلها من أن يمطروا أربعين صباحًا" (٩).

وقيل المراد: ﴿وَلَا تَأْخُذْكُمْ بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ﴾ فلا تقيموا الحد كما ينبغي من شدة الضرب الزاجر عن المأثم، وليس المراد الضرب المبرح. قال عامر الشعبي: ﴿وَلَا تَأْخُذْكُمْ بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ﴾ قال: رحمة في شدة الضرب، وقال عطاء: ضرب ليس بالمبرح، وقال سعيد بن أبي عروبة عن حماد بن أبي سليمان: يجلد القاذف وعليه ثيابه، والزاني تخلع ثيابه، ثم تلا ﴿وَلَا تَأْخُذْكُمْ بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ﴾ فقلت: هذا في الحكم؟ قال: هذا في الحكم والجلد. يعني: في إقامة الحد وفي شدة الضرب.

وقال ابن أبي حاتم: حَدَّثَنَا عمرو بن عبد اللَّه الأودي، حَدَّثَنَا وكيع، عن نافع بن عمر، عن ابن أبي مليكة، عن عبيد [٤] اللَّه بن عبد اللَّه بن عمر: أن جارية لابن عمر زنت، فضرب رجليها. قال نافع: أراه قال: و [٥] ظهرها. قال: قلت: ﴿وَلَا تَأْخُذْكُمْ بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ﴾ قال: يا بني؛ ورأيتني أخذتني بها رأفة؟ إن اللَّه لم يأمرني أن أقتلها، ولا أن أجعل جلدها في رأسها، وقد أوجعت حيث ضربت.

وقوله تعالى: ﴿إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِر﴾ أي: فافعلوا ذلك، أقيموا [٦]


(٨) - رواه أبو داود حديث (٤٣٧٦) في الحدود، باب: العفو عن الحدود ما لم تبلغ السلطان، والنسائي حديث (٤٨٨٦) في قطع السارق، باب: ما يكون حرزا وما لا يكون. كلاهما من حديث عمرو بن شعيب عن أبيه، عن جده به.
(٩) - رواه أحمد حديث (٨٥٢١)، وابن ماجه حديث (٢٥٣٨) في الحدود، باب: إقامة الحدود، كلاهما من حديث جرير بن يزيد، عن أبي زرعة بن عمرو بن جرير، عن أبي هريرة به مرفوعًا. وجرير بن يزيد ضعيف؛ والراوي عنه عيسى بن يزيد: مقبول.