للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ص:  >  >>

• وقد قال أبو حامِدٍ الطُّوسِي في كتابِ الإحياءِ: مقصودُ الرياضةِ (١) تفريغُ القلب، وليس ذلك إلَّا بالخَلْوَةِ فِي مكانٍ مُظلِمٍ! وقال: فإن لم يكن في مكانٍ مظلِمٍ، فيلفُّ رأسَهُ في جَيبَه، أو يتَدثَّرُ بكِساءٍ أو إزارٍ ففي مِثلِ هذه الحالةِ يسمَعُ نِداءَ الحقِّ، ويُشاهِد جَلالَ الحضرَةِ الرُّبوبِيَّة! (٢)

قال المصنِّفُ قلت: انظر إلى هذه الترتيباتِ، وأعجب كيفَ تصدُرُ مِن فقيهٍ! ومن أين لهُ أن الذي يَسمَعُهُ نداءُ الحقِّ؟! وأنَّ الذي يشاهدهُ جلالُ الرُّبوبِيَّة؟! وما يؤمنه أن يكونَ ما يَجدُ مِن الوَساوِس والخَيالاتِ الفاسِدةِ، وهذا الظاهِر ممن يَستَعمِل التقلُّلَ في المطعم، فإنهُ يغلِبُ عليهِ المالَيْخُولْيَا (٣).

وقد يسلمُ الإنسانُ في مثلِ هذه الحالة من الوساوسِ، إلَّا أنهُ إذا تَغشَّى بثوبِهِ وغمَّض عينهِ تخايلَ الأشياءَ؛ لأن في الدِّماغِ ثلاثَ قُوى: قوة يكونُ بها التخيُّلُ، وقوة يكونُ بها الفكرة، وقوة يكونُ بها الذِّكر، وموضعُ التخيُّل البطنان المقدَّمانِ من بطونِ الدِّماغِ، وموضعُ الفِكرِ البطنُ الأوسط من بطون الدماغ، وموضع الحفظ المؤخَّر، فإذا أطرَقَ الإنسان وغمض عينه جال الفكرُ والتَّخَيُّلُ فيرى خيالاتٍ،


(١) ذكر أهل التصوف عدة معان وطرق للرياضة وحصولها وبعضهم فرق بينها وبين المجاهدات: فجعل المجاهدات بما يرجع إلى الأمور البدنية والرياضات بما يرجع إلى الأمور النفسانية وعلى كل حال فعامة تعاريفهم للرياضة يرجع إلى ترك الحظوظ ومخالفة مقتضى الطبع حتى إذا بلغت به الرياضة حدًّا ما، عنت له خلسات من اطلاع نور الحق عليه وهو المسمى عندهم أوقاتًا ثم إنه لتكثر عليه الغواشي إذا أمعن في الارتياض. انظر لمزيد بيان: روضة التعريف بالحب الشريف ص ٩ وجامع الأصول في الأولياء ص ٥ والإشارات والتنبيهات ص ٣ والتعريفات لابن عربي ص ١٦ والفتوحات المكية ٢/ ١٢ والإحياء ٣/ ٦٦ وموسوعة مصطلحات التصوف ص ٤٢٩ - ٤٣١.
(٢) الإحياء ٣/ ٧٦.
(٣) المَالَيْخُولْيَا: ضرب من الجنون وهو أن تحدث بالإنسان أفكارٌ رديئةٌ ويغلبَهُ الحزنُ والخَوْفُ وربما صَرَخَ ونطق بتلك الأفكار وخَلَّطَ في كلامه. انظر: فقه اللغة ص ١٦٤. وتاج العروس ٤/ ٦١، ١٧/ ٤٦.

<<  <   >  >>