للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ص:  >  >>

عن دَرَجةِ الكَمَال التي هِي حالُه، فمَن أطاقَ التوكُّلَ فالكسبُ غيرُ مباحٍ لهُ بحالٍ، إلَّا كسْبَ مُعاوَنَةٍ لا كسبَ اعتمادٍ علَيهِ، ومَن ضعُفَ عن حالِ التوكلِ الَّتي هي حالُ رسولِ اللهِ ، أُبِيحَ لهُ طَلَبُ المعاشِ في الكسبِ؛ لئلَّا يَسقُطَ عن دَرَجةِ سُنَّتِهِ حينَ سقَطَ عن درجةِ حالَتِه (١).

• أنبأنا عبدُ المنعِم بن عبد الكريم، قال: حدَّثنا أبِي، قال: سمعتُ محمدَ بنَ الحسينِ، قال: سمعتُ أبا القاسِمِ الرَّازِيَّ، يقولُ: سمعْتُ يوسفَ بنَ الحسينِ يقول: إذا رأيتَ المرِيدَ يشتغِلُ بالرُّخَصِ والكَسبِ، فليسَ يِجِيءُ منهُ شَيءٌ (٢).

قال المصنِّفُ قلت: هذا كلامُ قومٍ ما فَهِموا مَعنى التوكلِ، فظنُّوا أنَّهُ تَرْكُ الكسبِ وتعطيلُ الجوارِحِ عن العمَلِ، وقد بينَّا أن التوكلَ فعلُ القلبِ، فلا يُنافي حركةَ الجوارحِ، ولو كانَ كلُّ كاسبٍ ليسَ بِمتوكِّلٍ كان الأنبياءُ غيرَ متوكِّلين، فقد كان آدمُ حرَّاثًا، ونوحٌ وزكريا نَجَّارَينِ، وإدريسُ خيَّاطًا، وإبراهيمُ ولوطٌ زارِعَين، وصالحٌ تاجرًا، وكان داودُ يعملُ الخُوصَ بيدِه ويأكلُ من ثَمنِهِ، وكان موسى وشعيبٌ ومحمدٌ - صلواتُ اللهِ وسلامُهُ عليهِم - رعاةَ الغنمِ. (٣)


(١) أخرجه السُلمي في الطبقات ص ١١٤ وعنه البيهقي في الشعب ٢/ ١٠٣ وأبو نعيم في الحلية ١٠/ ٣٧٨.
(٢) ذكره القيشري في الرسالة ص ٤١٤ ونقله الذهبي في السير ١٤/ ٢٤٩ وفي تاريخ الإسلام وفيات ٣٠٥ ومختصر تاريخ دمشق ١/ ٣٧٧٠ وأبو الفتح الأبشيهي في المستطرف ١/ ٣١٠. وجاء لفظه فيها: إذا رأيت المريد يشتغل بالرخص فاعلم أنه لا يجيء منه شيء. وعلى هذا اللفظ لا يكون فيه شاهد لما أراد المؤلف.
(٣) أخرج الحاكم في المستدرك ٢/ ٦٥٢. وذكره السيوطي في الدر المنثور ١/ ١٣٨. وحكم عليه الحافظ في الفتح ٤/ ٣٠٦ بأنه سند واه.
والمشهور أن الذي يعمل الخوص بيده هو سليمان كما في الزهد للإمام أحمد بن حنبل ص ٩٠ والحث على التجارة للخلال ص ١١٣ رقم (٦٩).
وفي الآيات من كتاب الله والأحاديث الصحيحة ما يفيد عمل الأنبياء كما قال الله جل ثناؤه في قصة موسى : ﴿وَمَا تِلْكَ بِيَمِينِكَ يَامُوسَى (١٧) قَالَ هِيَ عَصَايَ أَتَوَكَّأُ عَلَيْهَا وَأَهُشُّ بِهَا عَلَى غَنَمِي وَلِيَ =

<<  <   >  >>