للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ص:  >  >>

هذه الطائفة كُلَّما وَقَفَتْ طباعُهم حَداها الحادي إلى الله بالأناشيد.

فقال ابن عقيل: لا كرامةَ لهذا القائل إنما تُحدَى القلوبُ بوعد القرآن ووعيده وسُنَّة الرسول فأما تحريكُ الطباع بالألحان فقاطعٌ عن الله والشعر يتضمن صفة المخلوق والمعشوق مما يتجَدَّد عنه فتنة ومن سَوَّلَتْ له نفسُه التقاطَ العِبَر من محاسنِ البَشَر وحُسن الصورِ فمفتون، بل ينبغي النظَرُ إلى المَحَالِّ التي أحالَنا عليها: الإبل والخيل والرياح ونحو ذلك، فإنها منظوراتٌ لا تهيِّجُ طبعًا بل تُورِثُ استعظامًا للفاعِل، وإنما خَدَعَكُم الشيطانُ فصِرْتُم عبيدَ شهواتِكُم ولم تَقِفوا حتى قلتم هذه الحقيقة. زنادقةٌ في زيِّ عُبَّاد شرِهين في زيِّ زُهَّاد مُشَبِّهةٌ يعتقِدون أن الله تعالى يُعشَقُ ويُهامُ فيه ويُؤْلَفُ ويُؤْنَسُ به (١).

وبئس التوهُّم! لأن الله سبحانه خَلَق الذَّواتِ مشاكلةً؛ لأن أصولها متشاكلةٌ فهي تتوانَسُ وتتلاءَمُ بأصولها العُنصريَّة وتراكيبِها المِثْلِيَّةِ في الأشكالِ الحديثة فمن هاهُنا جاء التلاؤم والميلُ وعشقُ بعضِهم بعضًا، وعلى قدْرِ التقارُبِ في الصورةِ يتأكَّدُ الأنْسُ.

فالواحدُ منَّا يأنَسُ بالماء؛ لأن فيه ماء وهو بالنبات آنسُ؛ لقُرْبِه من الحيوانية بالقوة النَّمائيَّة وهو بالحيوان آنسُ؛ لمشاركتِه في أخصِّ النوعِ به وأقرَبِه إليه فأينَ المشاركةُ للخالقِ والمخلوق حتى يَحْصلَ الميلُ إليه والشوقُ والعشق؟! وما الذي بين


(١) وهذا الكلام محل نظرٍ من الإمام ابن عقيل؛ فلا شك أن الله يؤنس به ويؤلف ويحب والأدلة من الكتاب والسنة أكثر من أن تحصى في ذلك. والسبب - والله أعلم - في قوله ذلك هو جهل الصوفية في معنى المحبة والشطح فيها حتى جعلوا محبته سبحانه كمحبة غيره من الصور المستحسنة والجميلة. انظر لمزيد بيان: تلخيص كتاب الرد على ابن طاهر القيسراني في إباحة السماع التي تفعله الصوفية. للإمام سيف الدين أحمد بن المجد عيسى بن الموفق بن قدامة المقدسي. والمختصر له هو الإمام الذهبي . مخطوط ق ٢٦ وطريق الهجرتين ص ٤٨٧.

<<  <   >  >>