للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ص:  >  >>

فقال: أعِدْ عَلَيَّ. فأعَدْتُ عليه، فقام ودخل بيتَه وردَّ الباب فسمعتُ نحيبَهُ من داخلٍ وهو يقولُ لنفسه:

إذا ما قالَ لي رَبِّي … أما اسْتَحْيَيْتَ تَعْصِيني

وتُخْفِي الذَّنْبَ مِن خَلْقِي … وبالعِصْيانِ تَأْتِيْنِي (١)

ومن الأشعارِ أشعارٌ تَنْشِدُها النُّوَّاحُ يُثيرونَ بها الأحزانَ والبُكاءَ فيُنْهى عنها؛ لما في ضِمْنِها.

فأمَّا الأشعارُ التي يُنْشِدُها المُغَنُّون المهيَّئُون للغناء ويصفونَ فيها المستَحْسَنات والخمر وغير ذلك مما يحرِّكُ الطِّبَاع ويُخرجُها عن الاعتدال ويُثير كامِنَها من حُبِّ اللَّهوِ وهو الغناءُ العروف في هذا الزَّمان، مثل قول الشاعر:

ذَهَبيُّ اللَّونِ تَحْسَبُ مِن … وجْنَتَيْهِ النَّارُ تَقْتَدِحُ

خَوَّفُونِي مِن فَضيحَتِهِ … لَيْتَهُ وَافَى (٢) وأفْتَضِحُ (٣)

وقد أخْرَجوا لهذه الأغاني ألحانًا مختلفة كلُّها تُخْرِجُ سامِعَها عن حَيِّز الاعتدال، وتُثيرُ حُبَّ اللَّهو.


(١) لم أعثر على أحد أخرجه غير المؤلف ونقل هذا الأثر عن الإمام أحمد ابن القيم في مسألة السماع ص ٧٩. وذكر الإمام الشاطبي في الاعتصام ١/ ٣٤٨ قصة فيها من قبيل هذا الشعر، ثم قال: "هذا وما أَشبهه كان فعل القوم وهم مع ذلك لم يقتصروا في التنشيط للنفوس ولا الوعظ على مجرّد الشعر بل وعظوا أَنفسَهم بكلِّ موعظة ولا كانوا يستحضرون لذكر الأَشعار المغنين؛ إذ لم يكن ذلك من طلباتهم ولا كان عندهم من الغناء المستعمل في أَزماننا شيء وإنما دخل في في الإسلام بعدهم حين خالط العجم المسلمين".
(٢) في (ت): يرضى.
(٣) ذكر هذه الأبيات وغيرها ابن القيم في مسألة السماع ص ٩٥.

<<  <   >  >>