للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ص:  >  >>

قال المصنف: قلت: وهذا قبيح في الغاية؛ فإن الإدام شهوة فوق الطعام فينبغي أن لا يأكل إدامًا، والماء شهوة أخرى، أَوَليس في الصحيح أن رسول الله : "طاف على نسائه بغسل واحد" (١)، فهلا اقتصر على شهوة واحدة! أَوَليس في الصحيحين أنه "كان يأكل القثاء بالرطب" (٢)، وهاتان شهوتان! أَوَما أكل عند أبي الهيثم ابن التيهان خبزًا وشواء وبُسرًا وشرب ماء باردًا (٣)؟! وقد كان الثوري يأكل اللحم والعنب والفالوذج ثم يقوم فيصلي (٤)، أَوَما تُعَلَفُ الفرسُ الشعير والتبن والقتَّ (٥)، وتُطعم الناقة الخبط (٦) والحمض، وهل البدن إلا ناقة؟!

وإنما نهى بعض القدماء عن الجمع بين إدامين على الدوام لئلا يتخذ ذلك عادة فيحوج إلى كلفة، وإنما تجتنب فضول العيش في الشهوات لئلا يكون سببًا لكثرة الأكل وجلب النوم، أو لئلا يتعود فيقل الصبر عنها، فيحتاج الإنسان إلى تضييع العمر في كسبها، وربما تناولها من غير وجهها، فهذا طريق السلف في ترك فضول الشهوات.

• والحديث الذي احتجوا به "احرموا أنفسكم طيب الطعام" (٧).


(١) أخرجه البخاري معلقًا تعليقًا جازمًا (١/ ٣٧٧ رقم ٢٦٨)، ومسلم (١/ ٢٤٩ رقم ٣٠٩)، والترمذي (١/ ٢٥٩ رقم ١٤٠) وقال: حسن صحيح. والنسائي (١/ ١٤٣ - ١٤٤)، وأحمد (٣/ ٩٩، ١٦٠).
(٢) تقدم تخريجه (ص ٥٠٩).
(٣) أخرجه البزار في مسنده كما في كشف الأستار (٤/ ٢٦٣ رقم ٣٦٨١)، وأبو يعلى في مسنده (١/ ٢١٤ رقم ٢٥٠)، قال الهيثمي في المجمع (١٠/ ٣٢٠) بعد أن عزاه لأبي يعلى والبزار والطبراني مختصرًا، قال: في أسانيدهم كلها عبد الله بن عيسى أبو خلف، وهو ضعيف. وله طريق آخر عن أبي هريرة، أخرجه الترمذي (٤/ ٥٠٤ - ٥٠٥ رقم ٢٣٦٩)، وقال: حسن صحيح غريب. وأصله عند مسلم (٣/ ١٦٠٩ رقم ٢٠٣٨).
(٤) تقدّم تخريجه (ص ٣٨٩) دون ذكر للعنب والقيام للصلاة.
(٥) القت: الفصفصة، من علف الدواب. اللسان (فتت).
(٦) الخبط: ورق الشجر المتناثر بالخبط - أي بالضرب -، وهو من علف الدواب. اللسان (خبط).
(٧) تقدّم تخريجه (ص ٥٠٥).

<<  <   >  >>