للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ص:  >  >>

وجاء آخرون فأرادوا التشبه بالصوفية، وصعب عليهم البذاذة، وأحبُّوا التنعم، ولم يروا الخروج عن صورة التصوف؛ لئلا يتعطل المعاش، فلبسوا الفُوَطَ الرفيعة، واعتَمّوا بالرومي الرفيع، إلا أنه بغير طراز، فالقميص والعمامة على أحدهم بثمن خمسة أثواب من الحرير.

وقد لبَّس عليهم إبليس أنكم صوفية بنفيس النفش (١)، وإنما أرادوا أن يجمعوا بين رسوم التصوف وتنعم أهل الدنيا، ومن علاماتهم مصادقة الأمراء ومفارقة الفقراء؛ كِبرًا وتعظمًا، وقد كان عيسى بن مريم يقول: "يا بني إسرائيل، ما لكم تأتون وعليكم ثياب الرهبان، وقلوبكم قلوب الذئاب الضواري، البسوا ثياب الملوك وألينوا قلوبكم بالخشية" (٢).

أخبرنا محمد بن أبي القاسم، قال: أخبرنا حمد بن أحمد الحداد، قال: أنا أبو نعيم الحافظ، قال: أنا أحمد بن جعفر بن معبد، قال: نا يحيى بن مُطرِّف، قال: حدثنا أبو ظفر، قال: حدثنا جعفر بن سليمان، عن مالك بن دينار، قال: "إن من الناس ناسًا إذا لقوا القراء ضربوا معهم بسهم، وإذا لقوا الجبابرة وأبناء الدنيا أخذوا معهم بسهم، فكونوا من قراء الرحمن، بارك الله فيكم" (٣).

أخبرنا محمد، قال: أخبرنا حمد، قال: أخبرنا أبو نعيم، قال: حدثنا الحسين بن محمد بن العباس الفقيه، قال: نا أحمد بن محمد الخلال، وقال: حدثنا أبو حاتم، قال: حدثنا هُدبة، قال: نا حزم، قال: سمعت مالك بن دينار يقول: "إنكم في زمان أشهب لا يبصر زمانكم إلا البصير، فإنكم في زمان كثير تفاحشهم، قد انتفخت


(١) في "أ" و"ت": (بنفس النفس)، وفي "ك": (بنفس النفش).
(٢) أخرجه ابن أبي الدنيا في التواضع والخمول (ص ١٩٣ رقم ١٥٣).
(٣) أخرجه أبو نعيم في الحلية (٢/ ٣٦٣).

<<  <   >  >>