للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

لَمَّا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةُ عِنْدَ رَبِّكَ لِلْمُتَّقِينَ (٣٥)

يقول تعالى مخبرًا عن عبده ورسوله وخليله إمام الحنفاء، ووالد من بعث بعده من الأنبياء، الذي تنتسب [١] إليه قريش في نسبها ومذهبها: إنه تبرأ من أبيه وقومه في عبادتهم الأوثان، فقال: ﴿إِنَّنِي بَرَاءٌ مِمَّا تَعْبُدُونَ (٢٦) إلا الَّذِي فَطَرَنِي فَإِنَّهُ سَيَهْدِينِ (٢٧) وَجَعَلَهَا كَلِمَةً بَاقِيَةً فِي عَقِبِهِ﴾ أي: هذه الكلمة، وهي عبادة الله تعالى وحده لا شريك له، وخلع ما سواه من الأوثان، وهي: "لا إله إلا الله"، أي: جعلها دائمة في ذريته يقتدي [به فيها] [٢] من هداه الله [٣] من ذرية إبراهيم ﴿لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾ أي: إليها.

وقال عكرمة، ومجاهد، والضحاك، وقتادة، والسدي، وغيرهم في قوله تعالى: ﴿وَجَعَلَهَا كَلِمَةً بَاقِيَةً فِي عَقِبِهِ﴾، يعني: لا إله إلا الله، لا يزال في ذريته من يقولها، وروي نحوه عن ابن عباس (١٠)، وقال ابن زيد: كلمة الإسلام. وهو يرجع إلى ما قاله الجماعة.

ثم قال تعالى: ﴿بَلْ مَتَّعْتُ هَؤُلَاءِ﴾ يعني المشركين ﴿وَآبَاءَهُمْ﴾ أي: فتطاول عليهم العمر في ضلالهم، ﴿حَتَّى جَاءَهُمُ الْحَقُّ وَرَسُولٌ مُبِينٌ﴾ أي: بيّن [٤] الرسالة والنّذارة.

﴿وَلَمَّا جَاءَهُمُ الْحَقُّ قَالُوا هَذَا سِحْرٌ وَإِنَّا بِهِ كَافِرُونَ﴾ أي: كابروه [٥] وعاندوه ودفعوا [٦] بالصدور [٧] والراح [٨] كفرًا وحسدًا وبغيًا، ﴿وَقَالُوا﴾ كالمعترضين على الذي أنزله تعالى وتقدس: ﴿لَوْلَا نُزِّلَ هَذَا الْقُرْآنُ عَلَى رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَينِ عَظِيمٍ﴾ أي: هلَّا كان إنزال هذا القرآن على رجل عظيم كبير في أعينهم من القريتين؟ يعنون مكة والطائف. قاله ابن عباس، وعكرمة، ومحمد بن كعب القُرظي، وقتادة، والسديّ، وابن زيد.

وقد ذكر غير واحد منهم [قتادة] [٩]؛ أنهم أرادوا بذلك الوليد بن المغيرة وعروة بن مسعود الثقفي. وقال مالك: عن زيد بن أسلم، والضحاك، والسدي: يعنون الوليد بن المغيرة، ومسعود بن عمرو الثقفي.


(١٠) - انظر تفسير ابن جرير (٢٤/ ٦٢، ٦٣).