للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ص:  >  >>

فلمَّا رأَى ذلك رجلٌ مِن المسلمينَ تناوَلَ الحَرْبَةَ، ثم أَقبل يتجسس، حتى وافى بينَ ضِلْعَيْنِ، فطَعَنَهُ بها، فأَنْفَذَه، فقَتَلَهُ (١).

قالَ الوليدُ: بَلَغني أَنَّ خالدَ بنَ يزيدَ بنِ معاويةَ دَخَلَ على عبدِ الملكِ فقالَ: لو حَضَرْتُكَ ما أَمرتُكَ بقتلِهِ. قالَ: ولمَ؟ قالَ: إِنَّما كانَ بهِ المذهبُ (٢)، فلو جَوَّعْتَهُ؛ ذَهَبَ عنهُ!

وروى أبو الربيع (٣) عن شيخ أدرك القدماء قال: لما حُمِلَ الحارثُ على البريد وجُعِلَتْ في عنقه جامعة من حديد فجمعت يداه إلى عنقه فأشرف على عقبة بيت المقدس تلا هذه الآيات: ﴿قُلْ إِنْ ضَلَلْتُ فَإِنَّمَا أَضِلُّ عَلَى نَفْسِي وَإِنِ اهْتَدَيْتُ فَبِمَا يُوحِي إِلَيَّ رَبِّ﴾ [سبأ: ٥٠]. فتقلقلت الجامعة ثم سقطت من يده ورقبته إلى الأرض، فوثب الحرسُ الذين كانوا معه فأعادوها عليه.

ثم ساروا به، فلما أشرفوا على عقبة أخرى قرأ آية فسقطت من رقبته ويده إلى الأرض فأعادوها عليه، فلما قدموا على عبد الملك حبسه وأمر رجالًا من أهل الفقه والعلم أن يَعِظُوه ويُخَوِّفُوه اللهَ ويعلموه أَنَّ هذا من الشيطان، فأبى أن يقبل منهم فصلب، وجاء رجل بحربة فطعنه فانثنت، فتكلم الناس وقالوا: ما ينبغي لمثل هذا أن يُقْتَلَ، ثم أتاه حَرَسِيٌّ برمحٍ دقيق فطعنه بين ضلعين من أضلاعه ثم هزه وأنفذه.

وسمعت مَنْ قال: قال عبد الملك للذي ضربه بالحربة فانثنت: أذكرتَ الله حين


(١) أخرجه المؤلف في المنتظم ٦/ ٢٠٤ وذكره ابن حجر في لسان الميزان ٢/ ١٥١ وأشار إليه في الفتح ٦/ ٦١٧.
(٢) لعله: نَوْعُ من المالِيخُولْيَا. وهو مرض يحدث من غلبة السَّوْداء يختلط معه الذهن والسَّوْداء: أحد الأخلاط الأربعة التي زعم الأقدمون أن الجسم مهيأ عليها بها قوامه ومنها صلاحه وفساده وهي: الصفراء والدم والبلغم والسوداء. انظر: المصباح المنير ص ٦٥٨ والمعجم الوسيط ١/ ٤٦١.
(٣) انظر: تاريخ دمشق لابن عساكر ١١/ ٤٣١.

<<  <   >  >>