للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ص:  >  >>

• ومن ذلك: قولهم: عزير ابن الله.

ولو فهموا أن حقيقة البنوة لا تكون إلا بالتبعيض، والخالق ليس بذي أبعاض؛ لأنه ليس بمؤلف (١) لم يثبتوا بنوة، ثم إن الولد في معنى الوالد، وقد كان عزير لا يقوم يقوم إلا بالطعام، والإله من قامت به الأشياء لا من قام بها، والذي دعاهم إلى هذا مع جهلهم بالحقائق أنهم رأوه قد عاد بعد الموت وقرأ التوراة من حفظه (٢)، فتكلموا بذلك على ظنونهم الفاسدة.

ويدل على أن القوم كانوا في بعد من الذهن أنهم لما رأوا أثر القدرة في فَرْقِ البحر لهم ثم مروا على أصنام طلبوا مثلها فقالوا: ﴿اجْعَلْ لَنَا إِلَهًا كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ﴾ [الأعراف: ١٣٨]، فلما زجرهم موسى عن ذلك بقي في نفوسهم فظهر المستور بعبادتهم العجل، والذي حملهم على هذا شيئان:

° أحدهما: جهلهم بالخالق.

° والثاني: أنهم أرادوا ما يسكن إليه الحس؛ لغلبة الحس عليهم وبُعْد العقل عنهم، ولولا جهلهم بالمعبود ما اجترؤوا عليه بالكلمات القبيحة كقولهم: ﴿إِنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ﴾ [آل عمران: ١٨١]، وقولهم: ﴿يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ﴾ [المائدة: ٦٤].


(١) الألفاظ التي استعملها المصنف من اصطلاحات علم الكلام التي أغنانا الله تعالى عنها بألفاظ الكتاب والسنة الواضحة والدالة على المقصود أتم دلالة وأبينها. قال شيخ الإسلام ابن تيمية : (والله بعث رسله بإثبات مفصل، ونفي مجمل: فأثبتوا له الصفات على وجه التفصيل، ونفوا عنه ما لا يصلح له من التشبيه والتمثيل). التدمرية (ص ٨).
(٢) هذا بناء على أن المقصود هو عزير في قوله تعالى: ﴿أَوْ كَالَّذِي مَرَّ عَلَى قَرْيَةٍ وَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا قَالَ أَنَّى يُحْيِي هَذِهِ اللَّهُ بَعْدَ مَوْتِهَا فَأَمَاتَهُ اللَّهُ مِائَةَ عَامٍ ثُمَّ بَعَثَهُ﴾ [البقرة: ٢٥٩].
انظر: زاد المسير لابن الجوزي (١/ ٢٥٥)، تفسير ابن كثير (١/ ٣٢٢)، الدر المحثور للسيوطي (٢/ ٢٦ - ٢٩)، وقد أورد فيه قصة قراءة عزير للتوراة كما أشار إلى ذلك المصنف .

<<  <   >  >>