للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ص:  >  >>

والجواب أن نقول: إن الله تعالى بيَّن الحجج ثم بثَّ الشُّبَه وكلف العقول الفرق، فلا يقدر ساحر أن يحيي ميتا، ولا أن يخرج من عصا حية، وأما الكاهن فقد يصيب وقد يخطئ بخلاف النبوة التي لا خطأ فيها بوجه (١).

الشبهة الرابعة (٢): قالوا: لا يخلوا أن تجيء الأنبياء بما يوافق العقل أو بما يخالفه فإن جاؤوا بما يخالفه لم يقبل، وإن جاؤوا بما يوافقه فالعقل يغني.


(١) بين معجزات الأنبياء وخوارق الكهّان والسَّحرة من الفروق الجوهرية ومن التباين، ما بين الحق والباطل، والنور والظلمة؛ مما يجعلها لا تلتبس على سويٍّ.
ومن أهم الفروق التي ذكرها العلماء:
١ - أن ما يُخبر به الأنبياء صدق لا كذب فيه، وما يخبر به من خالفهم من السحرة والكهّان لابد فيه من الكذب.
٢ - أن الأنبياء لا يأمرون إلا بالعدل، ولا يفعلون إلا العدل، ويؤيدهم الملائكة، أما مخالفوهم فإنهم يأمرون بالظلم والإثم والعدوان، وتؤيدهم الشياطين.
٣ - أن السحر والكهانة ونحوهما أمور معتادة معروفة لأصحابها، وليست خارقة لعادتهم، أما آيات الأنبياء فهي خارقة لعادات الإنس والجن جميعًا.
٤ - أن ما يأتي به السَّحرة والكهان لا يخرج عن كونه مقدورًا للإنس والجن، أما آيات الأنبياء فلا يقدر على مثلها لا الإنس ولا الجن.
٥ - أن ما يأتي به السَّحرة والكُهان وكل مخالف للرسل تمكن معارضته بمثله وأقوى منه لمن عرف مثل هذه الأبواب، وأما آيات الأنبياء فلا يمكن لأحد أن يعارضها، لا بمثلها ولا بأقوى منها.
٦ - أن خوارق السَّحرة والكُهان تنال بالتعلم والسَّعي، أما آيات الأنبياء فلا تحصل بشيء من ذلك بتة، بل الله يفعلها آية لهم وعلامة.
والحاصل: أن الأنبياء والسَّحرة والكُهان جنسان متعاديان ومتباينان كتعادي الملائكة والشياطين وتباينهم .. فالتسوية بينهم من أعظم الفِرى وأشدها!
انظر: النبوات لشيخ الإسلام ابن تيمية: (ص ٢١٤ - ٢١٦) ودلائل النبوة لقوام السنة (١/ ١٠٩) بتحقيق مساعد الحميد.
(٢) هذه أهم شبهة عند عامة من ينكرون النبوات براهمة وغيرهم. انظر: التمهيد للباقلاني (ص ١٤٤ - ١٤٥)، الاقتصاد في الاعتقاد للغزالي (ص ١٢٢)، الأربعون للرازي (ص ٢/ ٧٥)، الملل والنحل للشهرستاني (٢/ ٦٠٢)، ونهاية الإقدام له (ص ٣٧٨)، غاية المرام للآمدي (ص ٣٢٠)، الصحائف الإلهية للسمرقندي (٤١٩ - ٤٢٠).

<<  <   >  >>