المتأخرين من جماهير الطوائف من مظاهر الشرك وذرائعه ووسائله.
والذي يؤكد هذه الحقيقة هو أن علماء أهل السنة والجماعة الذين ردوا على الأشعرية وغيرهم لم يذكروا -فيما أعلم- مسائل توحيد الألوهية فيما خالف فيه أولئك، فلو كان عندهم شيء مخالف لذكروه وردوا عليه، بل إنهم كانوا يذكرون في الرد على المبتدعة من الحجج والبراهين المقدمات التي يسلمون بها ليفحموهم. فمن ذلك: الرد على من زعم أن كلام الله مخلوق، فإن الأئمة ذكروا في مقدمات برهانهم أن الاستعاذة بالمخلوق لا تجوز، وقد وردت أدلة نقلية بالاستعاذة بكلمات الله، فالنتيجة إذن: إن كلام الله غير مخلوق. والأشاعرة ممن يقول إن كلام الله -يعنون النفسي- غير مخلوق، فلو كانت هذه الحجة غير صحيحة لما أقروا بها - كيف وقد وجد منهم من يستدل بها.
وبالجملة: فهذا يؤكد أن المتقدمين من الطوائف -وقدماء الأشاعرة منهم- لم يكونوا ينازعون في أن الاستعاذة بغير الله لا تجوز، وكذلك الدعاء والاستغاثة فيما لا يقدر عليه إلا الله، والحلف، وغير ذلك من المسائل التي كثر انحراف المتأخرين فيها.
السبب الثاني: من أسباب عدم تصنيف الأشاعرة في توحيد الألوهية: أنهم قد اتفقوا على عدم عدّ توحيد الألوهية أول واجب على المكلف، واشتغلوا بأمور اخرى زعموا أنها أول واجب على المكلف كالنظر أو القصد إلى النظر المؤدي إلى معرفة وجود الله ومن ثَمَّ وحدانيته في الذات والأفعال، وسلكوا في ذلك طرقاً مستعصية على الفهم، وانفتحت عليهم أبواب الشكوك والشبهات وصعب حلها، فإذا أضيف إلى هذا السبب ما تقدم في السبب الأول من عدم ظهور الشرك في زمن المتقدمين علم وجه عدم تصنيفهم لهذا النوع من التوحيد.
السبب الثالث: وهو خاص بالمتأخرين الذين خالفوا في بعض مسائل توحيد الألوهية فهم فاقدون للعلم الصحيح فيه فأنى لهم إذاً أن يصنفوا فيه، إذ فاقد الشيء لا يعطيه، بل الملاحظ تصننيف كثير منهم كتباً للرد على أهل السنة في هذه المسائل" (١).
خامسا: أن ما ذكره عن بعض أئمة الأشاعرة من الكلام عن توحيد الألوهية حق؛ ولكن
(١) منهج أهل السنة ومنهج الأشاعرة في توحيد الله: ١٤٤ - ١٥٣ باختصار.