للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ص:  >  >>

وقال شيخ الإسلام أيضًا أما " المهتدون، فهم لا ينكرون ما خلقه الله من القوى والطبائع في جميع الأجسام والأرواح، إذ الجميع خلق الله، لكنهم يؤمنون بما وراء ذلك من قدرة الله التي هو بها على كل شيء قدير، ومن أنه كل يوم هو في شأن، ومن أن إجابته لعبده المؤمن خارجة عن قوة نفسه، وتصرف جسمه وروحه، وبأن الله يخرق العادات لأنبيائه، لإظهار صدقهم ولإكرامهم بذلك. ونحو ذلك من حكمه، وكذلك يخرقها لأوليائه: تارة لتأييد دينه بذلك، وتارة تعجيلاً لبعض ثوابهم في الدنيا، وتارة إنعاماً عليهم بجلب نعمة أو دفع نقمة، ولغير ذلك، ويؤمنون بأن الله يرد بما أمرهم به من الأعمال الصالحة والدعوات المشروعة ما جعله في قوى الأجسام والأنفس، ولا يلتفتون إلى الأوهام التي دلت الأدلة العقلية أو الشرعية على فسادها، ولا يعملون بما حرمته الشريعة، وإن ظن أن له تأثيراً.

وأما العلم بغلبة السبب: فله طرق في الأمور الشرعية، كما له طرق في الأمور الطبيعية منها: الاضطرار، فإن الناس لما عطشوا وجاءوا على عهد رسول الله ، فأخذ غير مرة ماء قليلاً، فوضع يده الكريمة فيه حتى فار الماء من بين أصابعه (١) ووضع يده الكريمة في الطعام، وبرك فيه حتى كثرَ كثرةً خارجة عن العادة (٢)، فإن العلم بهذا الاقتران المعين، يوجب العلم بأن كثرة الماء والطعام كانت بسببه ، علمًا ضروريًّا، كما يعلم أن الرجل إذا ضُرب بالسيف ضربة شديدة صرعته فمات، أن الموت كان منها، بل أوكد، فإن العلم بأن كثرة الماء والطعام ليس له سبب معتاد في مثل ذلك أصلًا، مع أن العلم بهذه المقارنة يوجب علمًا ضروريًا بذلك".

ثم قال: "وبالجملة: فالعلم بأن هذا كان هو السبب أو بعض السبب أو شرط السبب، في هذا الأمر الحادث، قد يعلم كثيراً وقد يظن كثيراً وقد يتوهم كثيراً وهما ليس له مستند صحيح إلا ضعف العقل.

ويكفيك أن كل ما يظن أنه سبب لحصول المطالب مما حرمته الشريعة من دعاء أو غيره لابد فيه من أحد أمرين:


(١) انظر: صحيح مسلم، كتاب الفضائل، باب في معجزات النبي ، برقم: ٢٢٧٩.
(٢) انظر: صحيح مسلم، كتاب الإيمان، باب من لقي الله بالإيمان وهو غير شاك فيه دخل الجنة وحرم على النار، برقم: ٢٧.

<<  <   >  >>