للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ص:  >  >>

على ما في «الأزهار». فقلت: صاحب «الأزهار» أكثرُ علمًا من هؤلاء (١)؟ قال: لا. قلتُ: فكيف كان اتباعُ قوله دون أقوالِهم لازمًا؟ فقال: اصْنَعْ كما يصنعُ الناس، فإذا فَتح اللَّهُ عليك فستعرفُ ما يؤخذ به وما يُترك.

فسألتُ اللَّهَ عند ذلك أن يفتحَ عليَّ مِنْ معارِفِهِ ما يتميَّزُ لي به الراجحُ من المرجوح، وكان هذا في أول بحثٍ نظرتُه، وأولِ موضعٍ درستُه وقعدتُ فيه بين يدي العلم.

فاعتبِرْ بِهذا، ولا تستبعِدْ ما أرشدتُك إليه فتُحرمَ بركةَ العلم، وتُمحقَ فائدتَه.

ثم ما زلتُ بعدُ كما وصفتُ لك، أنظرُ في مسائل الخلاف وأدرُسُها على الشيوخ، ولا أعتقدُ ما يعتقدُه أهلُ التقليد من حَقِّيةِ بعضها بمجردِ الإلف والعادةِ والاعتقادِ الفاسد والاقتداءِ بمن لا يُقتدى به؛ بل أُسائلُ مَنْ عنده علمٌ بالأدلة عن الراجح، وأبحثُ في كتب الأدلة عمَّا له تعلقٌ بذلك، وأستروحُ إليه، وأتعللُ به، مع الجِدِّ في الطلب، واستغراقِ الأوقات في العلم؛ خصوصًا علوم الاجتهاد وما يَلتحِقُ بها؛ فإني نشِطتُ إليها نشاطًا زايدًا لما كنتُ أتصوَّرُه من الانتفاع بها، حتى فَتح اللَّهُ بما فتح، ومَنح ما منح، فله الحمدُ كثيرًا حَمْدًا لا يُحاط به، ولا يمكنُ الوقوفُ على كُنهه (٢).

فإذا وطَّنتَ نفسَك أيُّها الطالب على الإنصاف، وعدمِ التعصب لمذهبٍ من المذاهب، ولا لعالِمٍ من العلماء؛ بل جعلتَ الناس جميعًا بمنزلةٍ واحدةٍ في كونِهم مُنتمِينَ إلى الشريعةِ، محكومًا عليهم بما لا يجدون لأنفسِهم عنها مخرجًا، ولا يستطيعون تحوُّلًا فضلًا عن أن يَرتقُوا إلى واحدٍ


(١) يعني أئمةَ المذاهب التي اطلع عليها.
(٢) الكُنْه: الحقيقة.

<<  <   >  >>