للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

فأخرجوه، فقال: هذا سحر، فتناسخها الأمم حتى (بقاياها) (١) ما يتحدث به أهل العراق؛ فأنزل الله ﷿: ﴿وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُو الشَّيَاطِينُ عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَانَ وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا … ﴾.

(ورواه) (٢) الحاكم في "مستدركه"، عن أبي زكريا العنبري، عن محمد بن عبد السلام، عن إسحاق بن إبراهيم، عن جرير، به.

وقال السدي (٣): في قوله تعالى: ﴿وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُو الشَّيَاطِينُ عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَانَ﴾ أي: على عهد سليمان؛ قال: كانت الشياطين تصعد إلى السماء فتقعد منها مقاعد للسمع، فيستمعون من كلام الملائكة ما يكون في الأرض؛ من موت، أو غيب، أو أمر؛ فيأتون الكهنة فيخبرونهم، فتحدث الكهنة الناس فيجدونه كما قالوا؛ فلما أمنتهم الكهنة كذبوا لهم، وأدخلوا فيه غيره؛ فزادوا مع كل كلمة سبعين كلمةً، فاكتتب الناس ذلك الحديث في الكتب، وفشا ذلك في بني إسرائيل - أن الجن تعلم الغيب، فبعث سليمان في الناس، فجمع تلك الكتب، فجعلها في صندوق ثم دفنها تحت كرسيه؛ ولم يكن أحد من الشياطين يستطيع أن يدنو من الكرسي إلا احترق، وقال: لا أسمع أحدًا يذكر أن الشياطين يعلمون الغيب إلا ضربت عنقه.

فلما مات سليمان، وذهبت العلماء الذين كانوا يعرفون أمر سليمان، وخلف من بعد ذلك خلف تمثل (شيطان) (٤) في صورة إنسان، ثم أتى نفرًا من بني إسرائيل؛ فقال لهم: هل أدلكم على كنز لا تأكلونه أبدًا؟ قالوا: نعم. قال: فاحفروا تحت الكرسي، وذهب معهم (فأراهم) (٥) المكان، وقام ناحيته؛ فقالوا له: فادن؛ فقال: لا، ولكني ها هنا في أيديكم، فإن لم تجدوا فاقتلوني.

فحفروا، فوجدوا تلك الكتب، فلما أخرجوها قال الشيطان: إن سليمان إنما كان يضبط الإنس والشياطين والطير بهذا السحر، ثم طار وذهب، وفشا في الناس أن سليمان كان ساحرًا، واتخذت بنو إسرائيل تلك الكتب. فلما جاء محمد خاصموه بها، فذلك حين يقول الله تعالى: ﴿وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا﴾.

وقال الربيع بن أنس (٦): إن اليهود سألوا محمدًا زمانًا عن أمور من التوراة، لا يسألونه عن شيء من ذلك إلا أنزل الله ما سألوه عنه، فيخصمهم، فلما رأوا ذلك قالوا: هذا أعلم بما أنزل الله إلينا منا، وإنهم سألوه عن السحر، وخاصموه به؛ فأنزل الله ﷿: ﴿وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُو الشَّيَاطِينُ عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَانَ وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ﴾ وإن الشياطين عمدوا إلى كتاب؛ فكتبوا فيه السحر والكهانة، وما شاء الله من ذلك، فدفنوه تحت (مجلس) (٧) سليمان، وكان لا يعلم الغيب، فلما فارق سليمان الدنيا استخرجوا ذلك


(١) كذا في سائر "الأصول"؛ وفي "ابن جرير": "بقاياهم".
(٢) في (ن): "وروى".
(٣) أخرجه ابن جرير (١٦٤٦) بطوله؛ وأخرجه ابن أبي حاتم (٩٩٣) إلى قوله: "إلا احترق". [وسنده حسن].
(٤) في (ن): "الشيطان".
(٥) في (ز) و (ض) و (ن): "وأراهم".
(٦) أخرجه ابن جرير (١٦٤٧)؛ وابن أبي حاتم (٩٩١). [وسنده جيد لكنه مرسل].
(٧) في (ن): "كرسي".