للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

مسار الصفحة الحالية:

على الإعادة، فإن الله ابتدأ خلق الإنسان من سلالة من ماء مهين، فخلقه من شيء حقير ضعيف مهين، كما قال تعالى: ﴿أَلَمْ نَخْلُقْكُمْ مِنْ مَاءٍ مَهِينٍ (٢٠) فَجَعَلْنَاهُ فِي قَرَارٍ مَكِينٍ (٢١) إِلَى قَدَرٍ مَعْلُومٍ (٢٢)[المرسلات] وقال تعالى: ﴿إِنَّا خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ نُطْفَةٍ أَمْشَاجٍ﴾ [الإنسان: ٢] أي: من نطفة من أخلاط متفرقة، فالذي خلقه من هذه النطفة الضعيفة أليس بقادر على إعادته بعد موته.

كما قال الإمام أحمد في مسنده: حدثنا أبو المغيرة، حدثنا جرير، حدثني عبد الرحمن بن ميسرة، عن جبير بن نفير، عن بسر بن جحاش قال: إن رسول الله : بصق يومًا في كفه، فوضع عليها أصبعه، ثم قال رسول الله : "قال الله تعالى: ابن آدم أنى تعجزني وقد خلقتك من مثل هذه، حتى إذا سويتك وعدلتك مشيت بين برديك وللأرض منك وئيد، فجمعت ومنعت حتى إذا بلغت التراقي قلت أتصدق وأنَّى أوان الصدقة؟ " (١). ورواه ابن ماجه، عن أبي بكر بن أبي شيبة، عن يزيد بن هارون، عن جرير بن عثمان به (٢)، ولهذا قال تعالى: ﴿وَضَرَبَ لَنَا مَثَلًا وَنَسِيَ خَلْقَهُ قَالَ مَنْ يُحْيِ الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ (٧٨)﴾ أي: استبعد إعادة الله تعالى ذي القدرة العظيمة التي خلقت السماوات والأرض للأجسام والعظام الرميمة، ونسي نفسه، وأن الله تعالى خلقه من العدم إلى الوجود، فعلم من نفسه ما هو أعظم مما استبعده وأنكره وجحده، ولهذا قال تعالى: ﴿قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ (٧٩)﴾ أي: يعلم العظام في سائر أقطار الأرض وأرجائها، أين ذهبت وأين تفرقت وتمزقت.

قال الإمام أحمد: حدثنا عفان، حدثنا أبو عوانة، عن عبد الملك بن عمير، عن رِبعي قال: قال عقبة بن عمرو لحذيفة : ألا تحدثنا ما سمعت من رسول الله ؟ فقال: سمعته يقول: "إن رجلًا حضره الموت فلما يئس من الحياة أوصى أهله إذا أنا مت فاجمعوا لي حطبًا كثيرًا جزلًا، ثم أوقدوا فيه نارًا حتى إذ [أكلت] (٣) لحمي وخلصت إلى عظمي فامتحشت، فخذوها فدقُّوها فذروها في اليم، ففعلوا، فجمعه الله تعالى إليه ثم قال له: لم فعلت ذلك؟ قال: من خشيتك، فغفر الله ﷿ له" فقال عقبة بن عمرو: وأنا سمعته يقول ذلك وكان نباشًا (٤). وقد أخرجاه في الصحيحين من حديث عبد الملك بن عمير بألفاظ كثيرة منها أنه أمر بنيه أن يحرقوه ثم يسحقوه ثم يذروا نصفه في البر، ونصفه في البحر في يوم رائح؛ أي: كثير الهواء، ففعلوا ذلك، فأمر الله تعالى البحر، فجمع ما فيه وأمر البر فجمع ما فيه، ثم قال له: كن، فإذا هو رجل قائم، فقال له: ما حملك على ما صنعت؟ قال: مخافتك وأنت أعلم، فما تلافاه أن غفر له (٥).

وقوله تعالى: ﴿الَّذِي جَعَلَ لَكُمْ مِنَ الشَّجَرِ الْأَخْضَرِ نَارًا فَإِذَا أَنْتُمْ مِنْهُ تُوقِدُونَ (٨٠)﴾ أي: الذي


(١) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٢٩/ ٣٨٥ ح ١٧٨٤٢)، وحسنه محققوه، وغيرهم كما سيأتي.
(٢) سنن ابن ماجه، الوصايا، باب النهي عن الإمساك في الحياة والتبذير عند الموت (ح ٢٧٠٧) وحسنه الألباني في صحيح سنن ابن ماجه (ح ٢١٨٨)، وصححه البوصيري في مصباح الزجاجة.
(٣) في الأصل بياض واستدرك من (حم) و (مح) والمسند.
(٤) أخرجه الأمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٥/ ٣٩٥) وسنده صحيح.
(٥) صحيح البخاري، أحاديث الأنبياء، باب ما ذكر عن بني إسرائيل (ح ٣٤٥٢) وصحيح مسلم، التوبة، باب في سعة رحمة الله تعالى (ح ٢٧٥٧/ ٢٧).