للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

مسار الصفحة الحالية:

بدأ خلق هذا الشجر من ماء حتى صار خضرًا نضرًا ذا ثمر وينع، ثم أعاده إلى أن صار حطبًا يابسًا توقد به النار، كذلك هو فعال لما يشاء، قادر على ما يريد لا يمنعه شيء.

قال قتادة في قوله: ﴿الَّذِي جَعَلَ لَكُمْ مِنَ الشَّجَرِ الْأَخْضَرِ نَارًا فَإِذَا أَنْتُمْ مِنْهُ تُوقِدُونَ (٨٠)﴾ يقول الذي أخرج هذه النار من هذا الشجر قادر على أن يبعثه (١)، وقيل: المراد بذلك سرح (٢) المرخ والعفار (٣) ينبت في أرض الحجاز، فيأتي من أراد قدح نار وليس معه زناد، فيأخذ منه عودين أخضرين، ويقدح أحدهما بالآخر، فتتولد النار من بينهما، كالزناد سواء، وروي هذا عن ابن عباس . وفي المثل: لكل شجر نار واستمجد المَرخُ والعَفار (٤).

وقال الحكماء: في كل شجر نار إلا العنَّاب.

﴿أَوَلَيْسَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ بَلَى وَهُوَ الْخَلَّاقُ الْعَلِيمُ (٨١) إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ (٨٢) فَسُبْحَانَ الَّذِي بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (٨٣)﴾.

يقول تعالى مخبرًا منبهًا على قدرته العظيمة في خلق السماوات السبع بما فيها من الكواكب السيارة والثوابت والأرضين السبع، وما فيه من جبال ورمال وبحار وقفار، وما بين ذلك، ومرشدًا إلى الاستدلال على إعادة الأجساد بخلق هذه الأشياء العظيمة، كقوله تعالى: ﴿لَخَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَكْبَرُ مِنْ خَلْقِ النَّاسِ﴾ [غافر: ٥٧] وقال ههنا: ﴿أَوَلَيْسَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ﴾ أي: مثل البشر، فيعيدهم كما بدأهم، قاله ابن جرير: وهذه الآية الكريمة كقوله تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَلَمْ يَعْيَ بِخَلْقِهِنَّ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتَى بَلَى إِنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٣٣)[الأحقاف] وقال ههنا: ﴿بَلَى وَهُوَ الْخَلَّاقُ الْعَلِيمُ (٨١)

﴿إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ (٨٢)﴾ وأي: إنما يأمر بالشيء أمرًا واحدًا لا يحتاج إلى تكرار أو تأكيد:

إذا ما أراد الله أمرًا فإنما … يقول له كن فيكون

وقال الإمام أحمد: حدثنا محمد بن نمير، حدثنا موسى بن المسيب، عن شهر، عن عبد الرحمن بن غَنْم، عن أبي ذرٍّ قال: إن رسول الله قال: "إن الله تعالى يقول: يا عبادي كلكم مذنب إلا من عافيت، فاستغفروني أغفر لكم، وكلكم فقير إلا من أغنيت، إني جواد ماجد واجد أفعل ما أشاء، عطائي كلام وعذابي كلام، إذا أردت شيئًا فإنما أقول له كن فيكون" (٥).

وقوله تعالى: ﴿فَسُبْحَانَ الَّذِي بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (٨٣)﴾ أي: تنزيه وتقديس


(١) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق سعيد بن أبي عروبة عن قتادة.
(٢) السرح: شجر مفردها سرحة وهي من ضخام الشجر.
(٣) نوع من الشجر شديد الاشتعال.
(٤) مجمع الأمثال للميداني ٢/ ٧٤ رقم ٢٧٥٢.
(٥) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه وأطول (المسند ٣٥/ ٤٢٩ ح ٢١٥٤٠)، وصححه محققوه بالشواهد والمتابعات.