أَحَدُهُمَا: قَوْلُهُ: {وَسُيِّرَتِ الْجِبَالُ}.
وَالْحُجَّةُ الثَّانِيَةُ: أَنَّ أُبَيًّا قَرَأَ: «وَيَوْمَ سُيِّرَتِ الْجِبَالُ» فَإِذَا كَانَ الْمَاضِي سُيِّرَتْ كَانَ الْمُضَارِعُ تُسَيَّرُ.
وَقَرَأَ الْبَاقُونَ «نُسَيِّرُ» بِالنُّونِ فَاللَّهُ تَعَالَى يُخْبِرُ عَنْ نَفْسِهِ. «الْجِبَالَ» نُصِبَتْ مَفْعُولٌ بِهَا، وَحُجَّتُهُمْ قَوْلُهُ: {وَحَشَرْنَاهُمْ فَلَمْ نُغَادِرْ مِنْهُمْ أَحَدًا}.
فَرَدُّ اللَّفْظَةَ عَلَى اللَّفْظَةِ الْمُجَاوِرَةِ لَهَا أَحْسَنُ مِنْ أَنْ يُسْتَشْهَدَ عَلَيْهَا بِغَيْرِهَا مِمَّا بَعُدَ مِنْهُ، وَكِلْتَا الْقِرَاءَتَيْنِ حَسَنَةٌ وَبِاللَّهِ التَّوْفِيقُ.
فَإِنْ قِيلَ: وَلِمَ نَصَبْتَ «وَيَوْمَ نُسَيِّرُ الْجِبَالَ».
فَقُلْ: بِإِضْمَارِ فِعْلٍ، وَالتَّقْدِيرُ: وَاذْكُرْ يَا مُحَمَّدُ يَوْمَ نُسَيِّرُ الْجِبَالَ وَتَرَى الْأَرْضَ بَارِزَةً، أَيْ: ظَاهِرَةً لَا يَسِيرُ مِنْهَا شَيْءٌ، لِأَنَّ الْجِبَالَ إِذَا سُيِّرَتْ عَنْهَا وَصَارَتْ دَكَّاءَ مَلْسَاءَ ظَهَرَتْ وَبَرَزَتْ، وَقِيلَ: وَتَرَى الْأَرْضَ بَارِزَةً أَيْ: تُبْرِزُ مَا فِيهَا مِنَ الْكُنُوزِ وَالْأَمْوَاتِ وَهِيَ شَبِيهَةٌ بِقَوْلِهِ: وَتَرْمِي الْأَرْضُ أَفْلَاذَ كبدها، وقال تَعَالَى: {وَالْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ} {خَيْرٌ} {ثَوَابًا} فِي يَوْمَ نُسَيِّرُ الْجِبَالَ.
{وَالْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ} قِيلَ: الصَّلَوَاتُ الْخَمْسُ، وَقِيلَ: سُبْحَانَ اللَّهِ، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ، وَلَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَاللَّهُ أَكْبَرُ، وَسَمِعْتُ الْقَاضِيَ أَبَا عِمْرَانَ يَقُولُ: عَزَّى رَجُلٌ بَعْضَ الْأَخِلَّاءِ بِوَلَدِهِ فَقَالَ: إِنَّ ابْنَكَ كَانَ مِنْ زِينَةِ الدُّنْيَا وَلَوْ بَقِيَ لَكَانَ سَيِّدًا مِثْلُكَ، وَإِذَا اسْتَأْثَرَ اللَّهُ بِهِ فَجَعَلَهُ مِنَ الْبَاقِيَاتِ الصَّالِحَاتِ وَقَدْ صَارَ الْآنَ مِنَ الْبَاقِيَاتِ الصَّالِحَاتِ {وَالْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ خير عند ربك ثوابا وخير أملا} فَتَسَلَّ بِذَلِكَ.
- وَقَوْلُهُ تَعَالَى: {وَيَوْمَ يَقُولُ نَادُوا شركائي}.
قَرَأَ حَمْزَةُ بِالنُّونِ، اللَّهُ تَعَالَى يُخْبِرُ عَنْ نَفْسِهِ.
وَقَرَأَ الْبَاقُونَ بِالْيَاءِ، أَيْ: يَا مُحَمَّدُ: يَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى.
- وَقَوْلُهُ تَعَالَى: {قُبُلًا}.
قَرَأَ الْكُوفِيُّونَ بِالضَّمِّ.
وَقَرَأَ الْبَاقُونَ «قِبَلًا» أَيْ: عِيَانًا بِالْكَسْرِ، وَمَنْ ضَمَّ فَهُوَ جَمْعُ قَبِيلٍ وَقُبُلٍ مِثْلَ قَمِيصٍ وَقُمُصٍ، وَقَدْ مَرَّتْ عِلَّةُ ذَلِكَ فِي الْأَنْعَامِ وَإِنَّمَا أَعَدْتُ ذِكْرَهُ لِأَنَّ النَّحْوِيِّينَ مَنْ يَقُولُ: إِنَّ الْقَبِيلَةَ بَنُو أَبٍ، وَالْقَبِيلُ بِغَيْرِ هَاءٍ: الْجَمَاعَةُ وَإِنْ كَانُوا مُخْتَلِفِي الْأَنْسَابِ واحتجوا