للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

مسار الصفحة الحالية:

وقوله تعالى: ﴿وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابُ النَّارِ﴾ أي: حتم لازم لا بدّ لهم منه.

وقوله تعالى: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ شَاقُّوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ أي: إنما فعل الله بهم ذلك وسلط عليهم رسوله وعباده المؤمنين؛ لأنهم خالفوا الله ورسوله وكذبوا بما أنزل الله على رسله المتقدمين في البشارة بمحمد ، وهم يعرفون ذلك كما يعرفون أبناءهم. ثم قال: ﴿وَمَنْ يُشَاقِّ اللَّهَ فَإِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾.

وقوله تعالى: ﴿مَا قَطَعْتُمْ مِنْ لِينَةٍ أَوْ تَرَكْتُمُوهَا قَائِمَةً عَلَى أُصُولِهَا فَبِإِذْنِ اللَّهِ وَلِيُخْزِيَ الْفَاسِقِينَ (٥)﴾ اللين نوع من التمر وهو جيد.

قال أبو عبيدة: وهو ما خالف العجوة والبرني من التمر (١).

وقال كثيرون من المفسرين: اللينة ألوان التمر سوى العجوة (٢).

قال ابن جرير: هو جميع النخل ونقله عن مجاهد وهو (٣) البويرة أيضًا، وذلك أن رسول الله لما حاصرهم أمر بقطع نخيلهم إهانة لهم وإرهابًا وإرعابًا لقلوبهم، فروى محمد بن إسحاق، عن يزيد بن رومان، وقتادة ومقاتل بن حيان أنهم قالوا: [فبعث بنو النضير] (٤) يقولون لرسول الله : إنك تنهى عن الفساد فما بالك تأمر بقطع الأشجار؟ فأنزل الله هذه الآية الكريمة؛ أي: ما قطعتم من لينة وما تركتم من الأشجار فالجميع بإذنه ومشيئته وقدره ورضاه، وفيه نكاية بالعدو وخزي لهم، وإرغام لأنوفهم (٥).

وقال مجاهد: نهى بعض المهاجرين بعضًا عن قطع النخل، وقالوا: إنما هي مغانم المسلمين، فنزل القرآن بتصديق من نهى عن قطعه وتحليل من قطعه من الإثم، وإنما قطعه وتركه بإذنه (٦)، وقد روي نحو هذا مرفوعًا، فقال النسائي: أخبرنا الحسن بن محمد، عن عفان، حدثنا حفص بن غياث، حدثنا حبيب بن أبي عمرة، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس في قوله: ﴿مَا قَطَعْتُمْ مِنْ لِينَةٍ أَوْ تَرَكْتُمُوهَا قَائِمَةً عَلَى أُصُولِهَا فَبِإِذْنِ اللَّهِ وَلِيُخْزِيَ الْفَاسِقِينَ (٥)﴾ قال: يستنزلونهم من حصونهم وأمروا بقطع النخل، فحاك في صدورهم، فقال المسلمون: قطعنا بعضًا وتركنا بعضًا فلنسألن رسول الله هل لنا فيما قطعنا من أجر؟ وهل علينا فيما تركنا من وزر؟ فأنزل الله ﴿مَا قَطَعْتُمْ مِنْ لِينَةٍ﴾ (٧).


= (الجرح والتعديل ٨/ ٢٩٠).
(١) ذكره أبو عبيدة. (مجاز القرآن ٢/ ٢٥٦).
(٢) أخرجه الطبري وابن أبي شيبة بسند حسن من طريق داود عن عكرمة (المصنف ١٢/ ٣٩٣).
(٣) ذكره الطبري وأخرجه هو وآدم بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد بلفظ: نخلة، قال: نهى بعض المهاجرين بعضًا عن قطع النخل.
(٤) كذا في (ح) و (حم)، وفي الأصل بياض.
(٥) ذكره ابن هشام (السيرة ٢/ ١٩١)، وأخرجه البيهقي من طريق ابن إسحاق عن عبد الله بن أبي بكر بن محمد بن حزم (دلائل النبوة ٣/ ٣٥٥)، وأخرجه الطبري بسند رجاله ثقات عن قتادة لكنه مرسل وهذان المرسلان يقوي أحدهما الآخر.
(٦) تقدم تخريجه قبل الرواية السابقة.
(٧) أخرجه النسائي بسنده ومتنه (السنن الكبرى، التفسير، باب ﴿وَلِيُخْزِيَ الْفَاسِقِينَ﴾ [الحشر: ٥] ح ١١٥٧٤) وسنده صحيح.