للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

مسار الصفحة الحالية:

فعلتم، ولا تفتاتوا علي في ذلك، فإن أذنت لكم فعلتم، وإن منعتكم امتنعتم فإني أنا الحاكم المطاع ﴿إِنَّهُ لَكَبِيرُكُمُ الَّذِي عَلَّمَكُمُ السِّحْرَ﴾ وهذه مكابرة يعلم كل أحد بطلانها، فإنهم لم يجتمعوا بموسى قبل ذلك اليوم، فكيف يكون كبيرهم الذي أفادهم صناعة السحر؟ هذا لا يقوله عاقل.

ثم توعدهم فرعون بقطع الأيدي والأرجل والصلب فقالوا: ﴿لَا ضَيْرَ﴾؛ أي: لا حرج، ولا يضرنا ذلك، ولا نبالي به ﴿إِنَّا إِلَى رَبِّنَا مُنْقَلِبُونَ﴾؛ أي: المرجع إلى الله ﷿، وهو لا يضيع أجر من أحسن عملًا، ولا يخفى عليه ما فعلت بنا، وسيجزينا على ذلك أتم الجزاء، ولهذا قالوا: ﴿إِنَّا نَطْمَعُ أَنْ يَغْفِرَ لَنَا رَبُّنَا خَطَايَانَا﴾؛ أي: ما قارفنا من الذنوب وما أكرهتنا عليه من السحر ﴿أَنْ كُنَّا أَوَّلَ الْمُؤْمِنِينَ﴾؛ أي: بسبب أنا بادرنا قومنا من القِبط إلى الإيمان. فقتلهم كلَّهم.

﴿وَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى أَنْ أَسْرِ بِعِبَادِي إِنَّكُمْ مُتَّبَعُونَ (٥٢) فَأَرْسَلَ فِرْعَوْنُ فِي الْمَدَائِنِ حَاشِرِينَ (٥٣) إِنَّ هَؤُلَاءِ لَشِرْذِمَةٌ قَلِيلُونَ (٥٤) وَإِنَّهُمْ لَنَا لَغَائِظُونَ (٥٥) وَإِنَّا لَجَمِيعٌ حَاذِرُونَ (٥٦) فَأَخْرَجْنَاهُمْ مِنْ جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ (٥٧) وَكُنُوزٍ وَمَقَامٍ كَرِيمٍ (٥٨) كَذَلِكَ وَأَوْرَثْنَاهَا بَنِي إِسْرَائِيلَ (٥٩)﴾.

لما طال مقام موسى ببلاد مصر، وأقام بها حجج الله وبراهينه على فرعون وملئه، وهم مع ذلك يكابرون ويعاندون، لم يبقَ لهم إلا العذاب والنَكال، فأمر الله تعالى موسى أن يخرج ببني إسرائيل ليلًا من مصر، وأن يمضي بهم حيث يؤمر، ففعل موسى ما أمره به ربه ﷿، خرج بهم بعد ما استعاروا من قوم فرعون حليًا كثيرًا، وكان خروجه بهم فيما ذكره غير واحد من المفسرين وقت طلوع القمر.

وذكر مجاهد أنه كسف القمر تلك (١) الليلة، فالله أعلم، وأن موسى سأل عن قبر يوسف ، فدلته امرأة عجوز من بني إسرائيل عليه، فاحتمل تابوته معهم، ويقال: إنه هو الذي حمله بنفسه ، وكان يوسف قد أوصى بذلك، إذا خرج بنو إسرائيل أن يحملوه معهم.

وقد ورد في ذلك حديث رواه ابن أبي حاتم فقال: حدثنا علي بن الحسين، حدثنا عبد الله بن عمر بن أبان بن صالح، حدثنا [ابن فضيل] (٢)، عن يونس بن أبي إسحاق، عن ابن أبي بردة، عن أبيه، أبي موسى قال: نزل رسول الله بأعرابي فأكرمه، فقال له رسول الله : "تعاهدنا؟ " فأتاه الأعرابي، فقال له رسول الله :"ما حاجتك؟ " قال: ناقة برحلها وأعنز يحتلبها أهلي، فقال: "أعجزت أن تكون مثل عجوز بني إسرائيل؟ " فقال له أصحابه: وما عجوز بني إسرائيل يا رسول الله؟ قال: "إن موسى لما أراد أن يسير ببني إسرائيل أضلَّ الطريق، فقال لبني إسرائيل: ما هذا؟ فقال له علماء بني إسرائيل: نحن نحدثك أن يوسف لما حضرته الوفاة أخذ علينا موثقًا من الله أن لا نخرج من مصر حتى ننقل تابوته معنا، فقال لهم موسى: فأيَّكم يدري أين قبر يوسف؟ قالوا: ما يعلمه إلا عجوز لبني إسرائيل، فأرسل إليها فقال لها: دلِّيني على قبر يوسف، فقالت: والله لا أفعل حتى تعطيني حكمي، فقال لها: وما حكمك؟


(١) أخرجه ابن أبي حاتم بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد.
(٢) كذا في (ح) و (حم) وتفسير ابن أبي حاتم، وفي الأصل صُحف إلى: "ابن فضل".