للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

مسار الصفحة الحالية:

الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلَعَذَابُ الْآخِرَةِ أَشَقُّ وَمَا لَهُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ وَاقٍ (٣٤)[الرعد]، ولهذا قال: ﴿وَلَعَذَابُ الْآخِرَةِ أَشَدُّ وَأَبْقَى﴾ أي: أشد ألمًا من عذاب الدنيا وأدوم عليهم، فهم مخلدون فيه، ولهذا قال رسول الله للمتلاعنين: "إن عذاب الدنيا أهون من عذاب الآخرة" (١).

﴿أَفَلَمْ يَهْدِ لَهُمْ كَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُمْ مِنَ الْقُرُونِ يَمْشُونَ فِي مَسَاكِنِهِمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِأُولِي النُّهَى (١٢٨) وَلَوْلَا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ لَكَانَ لِزَامًا وَأَجَلٌ مُسَمًّى (١٢٩) فَاصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ غُرُوبِهَا وَمِنْ آنَاءِ اللَّيْلِ فَسَبِّحْ وَأَطْرَافَ النَّهَارِ لَعَلَّكَ تَرْضَى (١٣٠)﴾.

يقول تعالى: ﴿أَفَلَمْ يَهْدِ﴾ لهؤلاء المكذبين بما جئتهم به يا محمد كم أهلكنا من الأمم المكذبين بالرسل قبلهم، فبادوا فليس لهم باقية ولا عين ولا أثر، كما يشاهدون ذلك من ديارهم الخالية التي خلفوهم فيها يمشون فيها ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِأُولِي النُّهَى﴾ أي: العقول الصحيحة والألباب المستقيمة، كما قال تعالى: ﴿أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَا أَوْ آذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ (٤٦)[الحج] وقال في سورة ﴿الم (١)﴾ ﴿أَوَلَمْ يَهْدِ لَهُمْ كَمْ أَهْلَكْنَا مِنْ قَبْلِهِمْ مِنَ الْقُرُونِ يَمْشُونَ فِي مَسَاكِنِهِمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ أَفَلَا يَسْمَعُونَ (٢٦)[السجدة].

ثم قال تعالى: ﴿وَلَوْلَا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ لَكَانَ لِزَامًا وَأَجَلٌ مُسَمًّى (١٢٩)﴾ أي: لولا الكلمة السابقة من الله وهو أنه لا يعذب أحدًا إلا بعد قيام الحجة عليه، والأجل المسمى الذي ضربه الله تعالى لهؤلاء المكذبين إلى مدة معينة، لجاءهم العذاب بغتة، ولهذا قال لنبيه مسليًا له: ﴿فَاصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ﴾ أي: من تكذيبهم لك ﴿وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ﴾ يعني: صلاة الفجر ﴿وَقَبْلَ غُرُوبِهَا﴾ يعني: صلاة العصر، كما جاء في الصحيحين عن جرير بن عبد الله البجلي قال: كنا جلوسًا عند رسول الله فنظر إلى القمر ليلة البدر، فقال: "إنكم سترون ربكم كما ترون هذا القمر، لا تضامون في رؤيته، فإن استطعتم أن لا تغلبوا على صلاة قبل طلوع الشمس وقبل غروبها فافعلوا" ثم قرأ هذه الآية (٢).

وقال الإمام أحمد: حدثنا سفيان بن عيينة، عن عبد الملك بن عمير، عن عمارة بن [رؤيبة] (٣) قال: سمعت رسول الله يقول: "لن يلج النار أحد صلى قبل طلوع الشمس وقبل غروبها" (٤)، رواه مسلم من حديث عبد الملك بن عمير، به (٥). وفي المسند والسنن عن ابن عمر قال: قال رسول الله : "إن أدنى أهل الجنة منزلة من ينظر في ملكه مسيرة ألفي سنة، ينظر إلى أقصاه كما ينظر إلى أدناه، وإن أعلاهم منزلة لمن ينظر إلى الله تعالى في اليوم مرتين" (٦).


(١) سيأتي تخريجه في تفسير سورة النور.
(٢) صحيح البخاري، مواقيت الصلاة، باب فضل صلاة العصر (ح ٥٥٤)، وصحيح مسلم، المساجد، باب فضل صلاتي الصبح والعصر (ح ٦٣٢).
(٣) كذا في (ح) و (حم) والمسند وصحيح مسلم، وفي الأصل صحف إلى: "روبة".
(٤) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٤/ ١٣٦)، وسنده صحيح.
(٥) صحيح مسلم، المساجد ومواضع الصلاة، باب فضل صلاتي العصر (ح ٦٣٤).
(٦) أخرجه الإمام أحمد من طريق ثوير بن أبي فاختة عن ابن عمر، وضعف سنده محققوه لضعف ثوير (المسند ٨/ ٢٤٠ ح ٤٦٢٣)، وأخرجه الترمذي (السنن، صفة الجنة ح ٢٥٥٣)، وأبو يعلى (المسند ح ٥٧٢٩).