للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

﴿لَقَدْ قُلْنَا إِذًا شَطَطًا﴾ أي: باطلًا وبهتانًا

﴿هَؤُلَاءِ قَوْمُنَا اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ آلِهَةً لَوْلَا يَأْتُونَ عَلَيْهِمْ بِسُلْطَانٍ بَيِّنٍ﴾ أي: هلا أقاموا على صحة ما ذهبوا إليه دليلًا واضحًا صحيحًا ﴿فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا﴾ يقولون: بل هم ظالمون كاذبون في قولهم ذلك، فيقال: إن ملكهم لما دعوه إلى الإيمان بالله أبى عليهم وتهددهم وتوعدهم، وأمر بنزع لباسهم عنهم الذي كان عليهم من زينة قومهم، وأجلهم لينظروا في أمرهم لعلهم يرجعون عن دينهم الذي كانوا عليه، وكان هذا من لطف الله بهم، فإنهم في تلك النظرة توصلوا إلى الهرب منه والفرار بدينهم من الفتنة، وهذا هو المشروع عند وقوع الفتن في الناس أن يفر العبد منهم خوفًا على دينه، كما جاء في الحديث: "يوشك أن يكون خير مال أحدكم غنمًا يتبع بها شعف الجبال ومواقع القطر يفر بدينه من الفتن" (١) ففي هذه الحال تشرع العزلة عن الناس ولا تشرع فيما عداها، لما يفوت بها من ترك الجماعات والجمع.

فلما وقع عزمهم على الذهاب والهرب من قومهم، واختار الله تعالى لهم ذلك وأخبر عنهم بذلك في قوله: ﴿وَإِذِ اعْتَزَلْتُمُوهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ إِلَّا اللَّهَ﴾ أي: وإذ فارقتموهم وخالفتموهم بأديانكم في عبادتهم غير الله، ففارقوهم أيضًا بأبدانكم، ﴿فَأْوُوا إِلَى الْكَهْفِ يَنْشُرْ لَكُمْ رَبُّكُمْ مِنْ رَحْمَتِهِ﴾ أي: يبسط عليكم رحمة يستركم بها من قومكم ﴿وَيُهَيِّئْ لَكُمْ مِنْ أَمْرِكُمْ﴾ الذي أنتم فيه ﴿مِرْفَقًا﴾ أي: أمرًا ترتفقون به، فعند ذلك خرجوا هِرابًا إلى الكهف فأووا إليه، ففقدهم قومهم من بين أظهرهم وتطلبهم الملك، فيقال أنه لم يظفر بهم وعمى الله عليه خبرهم كما فعل بنبيّه محمد ، وصاحبه الصديق حين لجأ إلى غار ثور، وجاء المشركون من قريش في الطلب فلم يهتدوا إليه مع أنهم يمرون عليه، وعندها قال النبي حين رأى جزع الصديق في قوله: يا رسول الله لو أن أحدهم نظر إلى موضع قدميه لأبصرنا، فقال: "يا أبا بكر ما ظنك باثنين الله ثالثهما؟ " (٢). وقد قال تعالى: ﴿إِلَّا تَنْصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا فَأَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَمْ تَرَوْهَا وَجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُوا السُّفْلَى وَكَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ الْعُلْيَا وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (٤٠)[التوبة]، فقصة هذا الغار أشرف وأجل وأعظم وأعجب من قصة أصحاب الكهف.

وقد قيل: إن قومهم ظفروا بهم ووقفوا على باب الغار الذي دخلوه، فقالوا: ما كنا نريد منهم من العقوبة أكثر مما فعلوا بأنفسهم، فأمر الملك بردم بابه عليهم ليهلكوا مكانهم ففعلوا ذلك (٣)، وفي هذا نظر، والله أعلم، فإن الله تعالى قد أخبر أن الشمس تدخل عليهم في الكهف بكرة وعشيًا، كما قال تعالى:


(١) أخرجه البخاري من حديث أبي سعيد الخدري (الصحيح، الإيمان، باب من الدين الفرار من الفتن (ح ١٩).
(٢) أخرجه الشيخان من حديث أبي بكر (صحيح البخاري، التفسير، باب ﴿ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ. . .﴾ [التوبة: ٤٠] (ح ٤٦٦٣)، وصحيح مسلم، فضائل الصحابة، من فضائل أبي بكر الصديق (ح ٢٣٨١).
(٣) هذه نهاية القصة التي تقدم تخريجها قبل بضع روايات.