للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

مخالفة قومهم ومدينتهم ومفارقة ما كانوا فيه من العيش الرغيد والسعادة والنعمة، فإنه ذكر غير واحد من المفسرين من السلف والخلف أنهم كانوا من أبناء ملوك الروم وسادتهم، وأنهم خرجوا يومًا في بعض أعياد قومهم وكان لهم مجتمع في السنة يجتمعون فيه في ظاهر البلد، وكانوا يعبدون الأصنام والطواغيت، ويذبحون لها، وكان لهم ملك جبار عنيد يقال له: دقيانوس، وكان يأمر الناس بذلك ويحثهم عليه ويدعوهم إليه، فلما خرج الناس لمجتمعهم ذلك، وخرج هؤلاء الفتية مع آبائهم وقومهم، ونظروا إلى ما يصنع قومهم بعين بصيرتهم، عرفوا أن هذا الذي يصنعه قومهم من السجود لأصنامهم والذبح لها لا ينبغي إلا لله الذي خلق السماوات والأرض، فجعل كل واحد منهم يتخلص من قومه وينحاز منهم ويتبرز عنهم ناحية، فكان أول من جلس منهم وحده أحدهم، جلس تحت ظل شجرة فجاء الآخر فجلس إليها عنده، وجاء الآخر فجلس إليهما، وجاء الآخر فجلس إليهم، وجاء الآخر وجاء الآخر، ولا يعرف واحد منهم الآخر، وإنما جمعهم هناك الذي جمع قلوبهم على الإيمان (١).

كما جاء في الحديث الذي رواه البخاري تعليقًا من حديث يحيى بن سعيد، عن عمرة، عن عائشة قالت: قال رسول الله : "الأرواح جنود مجندة، فما تعارف منها ائتلف وما تناكر منها اختلف" (٢). وأخرجه مسلم في صحيحه من حديث سهيل، عن أبي هريرة، عن رسول الله (٣).

والناس يقولون: الجنسية علة الضم، والغرض أنه جعل كل أحد منهم يكتم ما هو عليه عن أصحابه خوفًا منهم، ولا يدري أنهم مثله حتى قال أحدهم: تعلمون والله يا قوم إنه ما أخرجكم من قومكم وأفردكم عنهم إلا شيء، فليظهر كل واحد منكم بأمره، فقال آخر: أما أنا فإني والله رأيت ما قومي عليه فعرفت أنه باطل، وإنما الذي يستحق أن يعبد وحده ولا يشرك به شيء هو الله الذي خلق السماوات والأرض وما بينهما، وقال الآخر: وأنا والله وقع لي كذلك، وقال الآخر كذلك، حتى توافقوا كلهم على كلمة واحدة، فصاروا يدًا واحدة، وإخوان صدق، فاتخذوا لهم معبدًا يعبدون الله فيه، فعرف بهم قومهم فوشوا بأمرهم إلى ملكهم فاستحضرهم بين يديه فسألهم عن أمرهم وما هم عليه، فأجابوه بالحق ودعوه إلى الله ﷿ (٤)، ولهذا أخبر تعالى عنهم بقوله: ﴿وَرَبَطْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ إِذْ قَامُوا فَقَالُوا رَبُّنَا رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَنْ نَدْعُوَ مِنْ دُونِهِ إِلَهًا﴾.

ولن لنفي التأبيد؛ أي: لا يقع منا هذا أبدًا، لأنا لو فعلنا ذلك لكان باطلًا، ولهذا قال عنهم:


(١) أخرجه الطبري بأسانيد ضعيفة ومرسلة عن مجاهد وعبيد بن عمير وهي من أخبار بني إسرائيل، وأخرجه بنحوه عبد بن حميد في تفسيره وابن أبي حاتم بسند صححه الحافظ ابن حجر عن ابن عباس مطولًا (تغليق التعليق ٤/ ٢٤٤ - ٢٤٦).
(٢) أخرجه البخاري تعليقًا (الصحيح، أحاديث الأنبياء، باب الأرواح جنود مجندة ح ٣٣٢٦) ووصله الحافظ ابن حجر من طرق كثيرة (تغليق التعليق ٤/ ٥ - ٧)، وأخرجه البخاري موصولًا في الأدب المفرد وصححه الألباني في صحيح الأدب المفرد (ح ٦٩١).
(٣) صحيح مسلم، البر، باب الأرواح جنود مجندة (ح ٢٦٣٨).
(٤) هذه تتمة القصة التي تقدم تخريجها قبل روايتي البخاري ومسلم.