للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

مسار الصفحة الحالية:

وقوله: ﴿وَمَا كَانَ لِرَسُولٍ أَنْ يَأْتِيَ بِآيَةٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ أي: لم يكن يأتي قومه بخارق إلا إذا أذن له فيه، ليس ذلك إليه بل إلى الله ﷿ يفعل ما يشاء ويحكم ما يريد، ﴿لِكُلِّ أَجَلٍ كِتَابٌ﴾ أي لكلِّ مدة مضروبة، كتاب مكتوب بها، وكل شيء عنده بمقدار ﴿أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ إِنَّ ذَلِكَ فِي كِتَابٍ إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ (٧٠)﴾.

وكان الضحاك بن مزاحم يقول في قوله: ﴿لِكُلِّ أَجَلٍ كِتَابٌ﴾: أي: لكل كتاب أجل، يعني لكل كتاب أنزله من السماء مدة مضروبة عند الله، ومقدار معين (١)، فلهذا ﴿يَمْحُو اللَّهُ مَا يَشَاءُ﴾ منها، ﴿وَيُثْبِتُ﴾ يعني: حتى نسخت كلها بالقرآن الذي أنزله الله على رسوله صلوات الله وسلامه عليه.

وقوله: ﴿يَمْحُو اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ﴾ اختلف المفسرون في ذلك فقال الثوري ووكيع وهشيم: عن ابن أبي ليلى، عن المنهال بن عمرو، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس: يدبر أمر السنة، فيمحو الله ما يشاء إلا الشقاء والسعادة والحياة والموت (٢). وفي رواية: ﴿يَمْحُو اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ﴾ قال: كل شيء إلا الموت والحياة والشقاء والسعادة، فإنهما قد فرغ منهما (٣).

وقال مجاهد: ﴿يَمْحُو اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ﴾ إلا الحياة والموت والشقاء والسعادة فإنهما لا يتغيران (٤).

وقال منصور: سألت مجاهدًا، فقلت: أرأيت دعاء أحدنا يقول: اللَّهم إن كان اسمي في السعداء فأثبته فيهم، وإن كان في الأشقياء فامحه عنهم، واجعله في السعداء؟ فقال: حسن، ثم لقيته بعد ذلك بحول أو أكثر، فسألته عن ذلك فقال: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُبَارَكَةٍ﴾ [الدخان: ٣]، قال: يقضي في ليلة القدر ما يكون في السنة من رزق أو مصيبة، ثم يقدم ما يشاء ويؤخر ما يشاء، فأما كتاب السعادة والشقاوة فهو ثابت لا يغير (٥).

وقال الأعمش، عن أبي وائل شقيق بن سلمة: إنه كان كثيرًا ما يدعو بهذا الدعاء: اللَّهم إن كنت كتبتنا أشقياء، فامحه واكتبنا سعداء، وإن كنت كتبتنا سعداء فأثبتنا، فإنك تمحو ما تشاء وتثبت، وعندك أُم الكتاب. رواه ابن جرير (٦).

وقال ابن جرير أيضًا: حدثنا عمرو بن علي، حدثنا معاذ بن هشام، حدثنا أبي، عن أبي حكيمة عصمة، عن أبي عثمان النهدي أن عمر بن الخطاب ، قال وهو يطوف بالبيت ويبكي: اللَّهم إن كنت كتبت عليَّ شقوة أو ذنبًا فامحه، فإنك تمحو ما تشاء وتثبت، وعندك أم الكتاب، فاجعله سعادة ومغفرة (٧).


(١) أخرجه الطبري بنحوه بسند ضعيف من طريق جويبر عن الضحاك.
(٢) أخرجه الطبري بسند حسن من الطرق المذكورة.
(٣) أخرجه الطبري بسند حسن من طريق المنهال بن عمرو عن سعيد بن جبير عن ابن عباس.
(٤) أخرجه الطبري من طرق صحيحة عن منصور عن مجاهد.
(٥) أخرجه الطبري من طريق منصور به وفي سنده ابن حميد، وهو محمد بن حميد الرازي، وهو ضعيف لكنه يتقوى بالرواية السابقة.
(٦) أخرجه الطبري من طريق الأعمش به، وسنده صحيح.
(٧) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وسنده حسن.