للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

﴿ذَلِكَ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ﴾ حيث أرشدهم إلى هذا الغار الذي جعلهم فيه أحياء والشمس والريح تدخل عليهم فيه لتبقى أبدانهم، ولهذا قال تعالى: ﴿ذَلِكَ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ﴾، ثم قال: ﴿مَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِ﴾ الآية؛ أي: هو الذي أرشد هؤلاء الفتية إلى الهداية من بين قومهم، فإنه من هداه الله اهتدى، ومن أضله فلا هادي له.

﴿وَتَحْسَبُهُمْ أَيْقَاظًا وَهُمْ رُقُودٌ وَنُقَلِّبُهُمْ ذَاتَ الْيَمِينِ وَذَاتَ الشِّمَالِ وَكَلْبُهُمْ بَاسِطٌ ذِرَاعَيْهِ بِالْوَصِيدِ لَوِ اطَّلَعْتَ عَلَيْهِمْ لَوَلَّيْتَ مِنْهُمْ فِرَارًا وَلَمُلِئْتَ مِنْهُمْ رُعْبًا (١٨)﴾.

ذكر بعض أهل العلم أنهم لما ضرب الله على آذانهم بالنوم، لم تنطبق لئلا يسرع إليها البلى، فإذا بقيت ظاهرة للهواء كان أبقى لها، ولهذا قال تعالى: ﴿وَتَحْسَبُهُمْ أَيْقَاظًا وَهُمْ رُقُودٌ﴾ وقد ذُكر عن الذئب أنه ينام فيطبق عينًا ويفتح عينًا، ثم يفتح هذه ويطبق هذه وهو راقد، كما قال الشاعر (١):

ينام بإحدى مقلتيه ويتقي … بأخرى الرزايا فهو يقظان نائم

وقوله تعالى: ﴿وَنُقَلِّبُهُمْ ذَاتَ الْيَمِينِ وَذَاتَ الشِّمَالِ﴾ قال بعض السلف: يقلبون في العام مرتين. قال ابن عباس: لو لم يقلبوا لأكلتهم الأرض (٢).

قوله: ﴿وَكَلْبُهُمْ بَاسِطٌ ذِرَاعَيْهِ بِالْوَصِيدِ﴾ قال ابن عباس ومجاهد وسعيد بن جبير وقتادة: الوصيد: الفناء (٣)، وقال ابن عباس: بالباب (٤). وقيل: بالصعيد (٥). وهو التراب، والصحيح أنه بالفناء وهو الباب، ومنه قوله تعالى: ﴿إِنَّهَا عَلَيْهِمْ مُؤْصَدَةٌ (٨)[الهمزة] أي: مطبقة مغلقة، ويقال: وصيد وأصيد، ربض كلبهم على الباب كما جرت به عادة الكلاب، قال ابن جريج: يحرس عليهم الباب (٦)، وهذا من سجيته وطبيعته حيث يربض ببابهم كأنه يحرسهم، وكان جلوسه خارج الباب، لأن الملائكة لا تدخل بيتًا فيه كلب، كما ورد في الصحيح ولا صورة (٧) ولا جنب (٨) ولا كافر، كما ورد به الحديث الحسن (٩)، وشملت كلبهم بركتهم فأصابه ما أصابهم من النوم


(١) هو حميد بن ثور، والبيت في ديوانه ص ١٠٤.
(٢) أخرجه الطبري وابن أبي حاتم بالطريق السابق الذي صححه الحافظ ابن حجر.
(٣) قول ابن عباس أخرجه الطبري بسند ثابت من طريق ابن أبي طلحة عنه، وقول مجاهد أخرجه آدم بن أبي إياس بسند ثابت من طريق ابن أبي نجيح عنه، وقول سعيد بن جبير أخرجه الطبري بسند حسن من طريق سالم الأفطس عنه، وقول قتادة أخرجه عبد الرزاق بسند صحيح عن معمر عنه.
(٤) أخرجه الطبري بسند حسن من طريق عكرمة عن ابن عباس.
(٥) أخرجه الطبري بأسانيد ضعيفة عن ابن عباس وسعيد بن جبير.
(٦) أخرجه الطبري بلفظ: "يُمسك عليهم الباب".
(٧) أخرجه البخاري من حديث ابن عمر مرفوعًا (الصحيح، اللباس، باب لا تدخل الملائكة بيتًا فيه صورة ح ٥٩٦٠).
(٨) أخرجه أبو داود (السنن، الطهارة، باب في الجنب يؤخر الغسل ح ٢٢٧)، والنسائي (السنن، الطهارة، باب الجنب إذا لم يتوضأ ١/ ١٤١)، وابن ماجه (السنن، اللباس، باب الصور في البيت ح ٤٤) كلهم من طريق عبد الله بن نُجي عن أبيه عن علي بن أبي طالب مرفوعًا: لا تدخل الملائكة بيتًا فيه صورة ولا كلب ولا جنبًا"، ونجي: مقبول (التقريب ص ٥٦٠)، ولم يتابع، فسنده ضعيف.
(٩) ضعيف كما تقدم وليس بحسن.