للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

فيْ مِجَنٍّ ثمنه ثلاثة دراهم، أخرجاه في الصحيحين (١)، قال مالك : وقطع عثمان في أترُجّة قومت بثلاثة دراهم، وهو أحب ما سمعت في ذلك، وهذا الأثر عن عثمان قد رواه مالك عن عبد الله بن أبي بكر عن أبيه، عن عمرة بنت عبد الرحمن أن سارقًا سرق في زمن عثمان أترجّة، فأمر بها عثمان أن تقوم فقومت بثلاثة دراهم من صرف اثني عشر درهمًا، فقطع عثمان يده. قال أصحاب مالك: ومثل هذا الصنيع يشتهر، ولم ينكر، فمن مثله يحكى الإجماع السكوتي، وفيه دلالة على القطع في الثمار خلافًا للحنفية، وعلى اعتبار ثلاثة دراهم خلافًا لهم في أنه لا بدّ من عشرة دراهم، وللشافعية في اعتبار ربع دينار، واللّه أعلم.

وذهب الشافعي إلى أن الاعتبار في قطع يد السارق بربع دينار أو ما يساويه من الأثمان أو العروض فصاعدًا، والحجة في ذلك ما أخرجه الشيخان البخاري ومسلم من طريق الزهري عن عمرة، عن عائشة أن رسول اللّه قال: "تقطع يد السارق في ربع دينار فصاعدًا" (٢) ولمسلم من طريق أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم، عن عمرة، عن عائشة أن رسول اللّه قال: "لا تقطع يد السارق إلا في ربع دينار فصاعدًا" (٣) قال أصحابنا: فهذا الحديث فاصل في المسألة، ونصٌّ في اعتبار ربع الدينار لا ما ساواه. قالوا: وحديث ثمن المِجَنّ، وأنه كان ثلاثة دراهم لا ينافي هذا لأنه إذ ذاك كان الدينار باثني عشر درهمًا، فهي ثمن ربع دينار، فأمكن الجمع بهذا الطريق، ويروى هذا المذهب عن عمر بن الخطاب وعثمان بن عفان وعلي بن أبي طالب ، وبه يقول عمر بن عبد العزيز والليث بن سعد والأوزاعي والشافعي وأصحابه، وإسحاق بن راهويه في رواية عنه، وأبو ثور وداود بن علي الظاهري، .

وذهب الإمام أحمد بن حنبل وإسحاق بن راهويه في رواية عنه، إلى أن كل واحد من ربع الدينار والثلاثة دراهم مرد شرعي، فمن سرق واحدًا منهما أو ما يساويه، قطع عملًا بحديث ابن عمر وبحديث عائشة ووقع في لفظ عند الإمام أحمد عن عائشة أن رسول الله قال: "اقطعوا في ربع دينار، ولا تقطعوا فيما هو أدنى من ذلك" (٤) وكان ربع الدينار يومئذٍ ثلاثة دراهم، والدينار اثني عشر درهمًا. وفي لفظ للنسائي "لا تقطع يد السارق فيما دون ثمن المجن". قيل لعائشة: ما ثمن المجن؟ قالت: ربع دينار، فهذه كلها نصوص دالة على عدم اشتراط عشرة دراهم (٥)، والله أعلم.

وأما الإمام أبو حنيفة وأصحابه أبو يوسف ومحمد وزفر، وكذا سفيان الثوري، ، فإنهم ذهبوا إلى أن النصاب عشرة دراهم مضروبة غير مغشوشة، واحتجوا بأن ثمن المجن الذي قطع فيه السارق على عهد رسول الله كان ثمنه عشرة دراهم.


(١) صحيح البخاري، كتاب الحدود، باب قول الله تعالى: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ … ﴾ [المائدة: ٣٨] ح (٦٢٩٧).
(٢) المصدر السابق ح (٦٢٩٢).
(٣) صحيح مسلم، كتاب الحدود، باب حد السرقة ونصابها ح (٣١٩٠).
(٤) يشهد له ما سبق.
(٥) يشهد له الأحاديث السابقة.