أبالي! ولكن عافيتك أوسع لي، أعوذ بنور وجهك الّذي أشرقت به الظلمات، وصلح عليه أمر الدنيا، والاخرة من أن ينزل بي غضبك، أو يحلّ عليّ سخطك! لك العتبى حتّى ترضى، ولا حول ولا قوة إلاّ بك» وقد روي: أنه نزل عليه في تلك الساعة ملك الجبال، وقال له: يا محمد! إن الله أمرني أن أطيعك فيما تأمر به؛ إن أردت أن أطبق عليه الأخشبين (الجبلين) لفعلت! فقال: «لا، إني أرجو أن يخرج الله من أصلابهم من يعبد الله، اللهمّ اهد قومي فإنهم لا يعلمون!». فقال الملك: صدق من سمّاك الرؤوف الرحيم.
فلما رأى ابنا ربيعة ما لقي تحرّكت له رحمهما، فدعوا غلاما لهما نصرانيا، يقال له:
عدّاس، فقالا له: خذ قطفا من هذا العنب، وضعه في هذا الطبق، ثم ضعه بين يدي هذا الرجل. فلما وضعه بين يدي رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، قال النبي صلّى الله عليه وسلّم:«باسم الله». ثم أكل، فنظر عدّاس إلى وجهه، ثم قال: والله إنّ هذا الكلام ما يقوله أهل هذه البلدة، فقال له النبي صلّى الله عليه وسلّم:«من أي البلاد أنت يا عدّاس، وما دينك؟». قال: أنا نصرانيّ من أهل نينوى، فقال له النبي صلّى الله عليه وسلّم:«أمن قرية الرجل الصالح يونس بن متى؟» فقال له عدّاس: وما يدريك ما يونس بن متّى؟ قال:«ذاك أخي، كان نبيا، وأنا نبيّ». فانكبّ عدّاس يقبّل رأس النبي صلّى الله عليه وسلّم، ويديه، ورجليه، فقال أحد ابني ربيعة: أما غلامك فقد أفسده عليك! فلما جاءهما عداس؛ قالا له: ويلك يا عدّاس مالك تقبّل رأس هذا الرجل، ويديه، وقدميه؟! فقال: يا سيدي ما في الأرض خير من هذا، أخبرني بكلام ما يعلمه إلاّ نبي! فقالا له: ويحك يا عدّاس! لا يصرفك عن دينك، فإن دينك خير من دينه.
ثم إنّ رسول الله صلّى الله عليه وسلّم انصرف راجعا من الطائف إلى مكة حين يئس من خير ثقيف، حتى إذا كان ببطن نخلة قام من الليل يصلي، فمرّ به نفر من جنّ نصيبين، كانوا قاصدين اليمن، وذلك حين منعوا من استراق السمع من السماء، ورموا بالشهب، فاستمعوا له، فلما فرغ من صلاته؛ ولّوا إلى قومهم منذرين، وقد آمنوا، وأجابوا لمّا سمعوا القرآن، فقصّ الله خبرهم عليه:{وَإِذْ صَرَفْنا..}. إلخ. وفي الاية قول آخر سيأتي في سورة (الجن) وهو حديث مخرج في الصحيحين من حديث ابن عباس-رضي الله عنهما-.
هذا؛ وروي: أنّ الجن لما رجموا بالشهب؛ بعث إبليس سراياه؛ ليعرف الخبر، فكان أول بعث بعثه من أهل نصيبين، وهم أشراف الجن، وساداتهم، فبعثهم إلى تهامة، وقال أبو حمزة:
بلغنا: أنهم من بني الشيصبان، وهم أكثر الجن عددا، وهم عامة جنود إبليس، فلما رجعوا إلى قومهم؛ قالوا:{إِنّا سَمِعْنا قُرْآناً عَجَباً}.
وقال جماعة: بل أمر رسول الله صلّى الله عليه وسلّم أن ينذر الجن، ويدعوهم إلى الله، ويقرأ عليهم القرآن، فصرف الله إليه نفرا من الجن، وهم من أهل نينوى، وجمعهم له، فقال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم لأصحابه:«إني أمرت أن أقرأ القرآن على الجن الليلة، فأيكم يتبعني؟». فأطرقوا، ثم استتبعهم،