للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

وربما دخل فيه النساء على سبيل التبع للرجال، كما في إرسال الرسل لأقوامهم؛ إذ إن كل لفظ (قوم) في القرآن، إنما يراد به الرجال، والنساء جميعا، وهو يذكر، ويؤنث، قال تعالى في سورة (الشعراء) الاية [١٠٥]: {كَذَّبَتْ قَوْمُ نُوحٍ الْمُرْسَلِينَ} وتأنيثه باعتبار المعنى، وهو أنهم أمة وطائفة وجماعة سمّوا قوما؛ لأنهم يقومون مع داعيهم بالشدائد، والمتاعب، إما بالمعاونة معه على كشفها، وإما بالإيذاء، والمضايقة؛ إن عارضوه، وهذا شأن أعداء الخير، والإصلاح في كل زمان، ومكان.

هذا؛ و {نُوحٍ} اسمه: السكن. وقيل: عبد الغفار، وسمي نوحا لكثرة نوحه على نفسه، وهو ابن لمك بن متوشلح بن أخنوخ، وهو إدريس النبي، وكان نوح نجارا، واختلفوا في سبب نوحه، فقيل: لدعوته على قومه بالهلاك. وقيل: لمراجعته ربّه في شأن ابنه كنعان. وقيل: لأنه مرّ بكلب مجذوم، فقال له: اخسأ يا قبيح! فأوحى الله إليه: أعبتني، أم عبت الكلب؟! وقيل:

أنطق الله الكلب، فقال له: أتسخر من الخالق، أم من المخلوق؟ ونوح أول رسول بعث بشريعة، وأول نذير على الشرك، وأنزل الله عليه عشر صحائف.

وهو أول من عذبته أمته لردهم دعوته، وأهلك الله أهل الأرض بدعائه، وكان أبا البشر كآدم، على نبينا، وعليهم جميعا ألف صلاة، وألف سلام، وكان أطول الأنبياء عمرا، عمّر ألفا وخمسين سنة. وقيل: عمر ألفا ومئتين وخمسين سنة، ولم تنقص قوته، ولم يشب، ولم تسقط له سن، وصبر على إيذاء قومه طول عمره، وكان أبواه مؤمنين بدليل دعوته لهما بالمغفرة في الاية الأخيرة من السورة المسماة باسمه، ويروى: أنّ جبريل عليه السّلام قال له: يا أطول الأنبياء عمرا كيف وجدت الدنيا؟ قال: وجدتها كدار لها بابان، دخلت من أحدهما، وخرجت من الاخر. وبشريعته غيرت بعض أحكام شريعة آدم، ولا سيما تحريم زواج الأخوات.

هذا؛ و {فاسِقِينَ} جمع: فاسق، وأصل الفسق: الخروج عن القصد، والفاسق في الشرع:

الخارج عن أمر الله بارتكاب المعاصي، وله ثلاث درجات: الأولى: التغابي، وهو أن يرتكب الكبيرة أحيانا مستقبحا إياها. والثانية: الانهماك، وهو أن يعتاد ارتكابها غير مبال بها. والثالثة:

الجحود، وهو أن يرتكبها مستصوبا إياها. فإذا شارف هذا المقام، وتخطى خططه؛ خلع ربقة الإيمان من عنقه، ولابس الكفر. وما دام في درجة التغابي، أو الانهماك؛ فلا يسلب عنه اسم المؤمن؛ لاتصافه بالتصديق، الذي هو مسمى الإيمان.

هذا؛ وقال الزمخشري-رحمه الله تعالى-: الفسوق: الخروج من الشيء، والانسلاخ منه، يقال: فسقت الرطبة عن قشرها. ومن مقلوبه: فقست البيضة: إذا كسرتها، وأخرجت ما فيها، ومن مقلوبه أيضا: قفست الشيء إذا أخرجته عن يد مالكه مغتصبا له عليه، ثم استعمل في الخروج عن القصد، والانسلاخ من الحق، قال رؤية: [الرجز] فواسقا عن قصدها جوائرا

<<  <  ج: ص:  >  >>