للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

القتال، فلستم بأحق بالغنيمة منا، فهم عند الغنيمة أشجع قوم! وعند الحرب أجبن قوم! وفي قوله تعالى: {سَلَقُوكُمْ بِأَلْسِنَةٍ حِدادٍ} استعارة مكنية حيث شبه اللسان بالسيف، ثم حذف المشبه به، واستعار شيئا من خصائصه، وهو الضرب المعبر عنه ب‍: {سَلَقُوكُمْ}.

{أَشِحَّةً عَلَى الْخَيْرِ} أي: يشاحون المؤمنين، ويخاصمونهم عند الغنيمة، قاله يحيى بن سلام. وقيل: أشحة على المال أن ينفقوه في سبيل الله؛ قاله السدي. {أُولئِكَ لَمْ يُؤْمِنُوا} أي:

لم يؤمنوا حقيقة الإيمان، وإن نطقوه بألسنتهم، ولكنه لم يدخل سويداء قلوبهم. والإشارة إلى المنافقين الذين تتحدث الآيات السابقة عنهم. {فَأَحْبَطَ اللهُ أَعْمالَهُمْ:} أبطل ثواب أعمالهم؛ التي كانوا يأتون بها مع المسلمين، من إنفاق بعض المال رياء، وحضور القتال خوفا من توبيخ المسلمين لهم، وتقريعهم إياهم. {وَكانَ ذلِكَ عَلَى اللهِ يَسِيراً:} وكان إحباط أعمالهم على الله هينا.

وقيل: كان نفاقهم على الله هينا، وسهلا.

قال الزمخشري: كل شيء على الله يسير، فما معنى: {وَكانَ ذلِكَ عَلَى اللهِ يَسِيراً؟} قلت:

معناه: أن أعمالهم حقيقة بالإحباط، تدعو إليه الدواعي، ولا يصرف عنه صارف. هذا؛ وقد بين الله في سورة (النور) وفي سورة (الفرقان) أن أعمال الكفار الصالحة في نظرهم، إنما هي كسراب بقيعة يحسبه الظمآن ماء، وهي هباء منثور لا قيمة لها عند الله، ولا تنفع أصحابهم شيئا، والنفاق أشد كفرا، كما صرحت به الآيات الكثيرة. هذا؛ وقال أبو السعود: (أحبط أعمالهم):

أظهر بطلانها؛ إذ ليس لهم أعمال صحيحة حتى تحبط، أو المراد: أبطل تصنعهم، ونفاقهم فلم يبق مستتبعا لمنفعة دنيوية أصلا. انتهى.

هذا؛ وفي المصباح المنير: حبط العمل، يحبط من باب: تعب حبطا بالسكون، وحبوطا:

فسد، وهدر، وحبط، يحبط من باب ضرب لغة، وقرئ بها في الشواذ، وحبط دم فلان حبطا من باب: تعب: هدر، وأحبطت العمل، والدم-بالألف-: أهدرته. وفي المختار: والحبط -بفتحتين-: أن تأكل الماشية، فتكثر حتى تنتفخ لذلك بطونها، ولا يخرج عنها ما فيها. وقيل:

هو أن ينتفخ بطنها عن أكل الذرق، وهو الحندقوق. وفي الحديث: «إنّ ممّا ينبت الربيع ما يقتل حبطا، أو يلمّ». انتهى. واسم هذا الداء: حباط. والفعل: حبط لازم، ويتعدى بالهمزة، كما رأيت في الآية.

الإعراب: {أَشِحَّةً:} حال من فاعل: {يَأْتُونَ،} أو من الضمير المستتر في {الْمُعَوِّقِينَ،} أو هو منصوب على الذم بفعل محذوف، والمعتمد الأول. هذا؛ ويقرأ بالرفع على أنه خبر لمبتدإ محذوف، التقدير: هم أشحة. {فَإِذا:} الفاء: حرف استئناف. (إذا): ظرف لما يستقبل من الزمان، خافض لشرطه، منصوب بجوابه، صالح لغير ذلك مبني على السكون في محل نصب، وجملة: {جاءَ الْخَوْفُ} في محل جر بإضافة (إذا) إليها. {رَأَيْتَهُمْ:} فعل، وفاعل، ومفعول به،

<<  <  ج: ص:  >  >>