{كَذلِكَ يُبَيِّنُ اللهُ آياتِهِ لِلنّاسِ} أي: كما بيّن الصيام، وأحكامه، وشرائعه، وتفاصيله، كذلك يبين سائر أحكام الشريعة على لسان عبده ورسوله محمد صلّى الله عليه وسلّم. {لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ} أي:
يعرفون كيف يهتدون، وكيف يطيعون؟ فيبتعدون عن المعاصي، أو ينتظمون في سلك المتقين.
والترجّي في هذه الآية، وأمثالها، إنما هو بحسب عقول البشر؛ لأنّ الله تعالى لا يقع منه ترجّ لعباده، وأعمالهم. تعالى عن ذلك علوّا كبيرا!
تنبيه: سبب نزول الآية الكريمة: أنّه كان في ابتداء الأمر بالصّوم إذا أفطر الصائم عند الغروب؛ حلّ له الطعام، والشّراب، والجماع إلى أن يصلي العشاء الآخرة، أو ينام قبلها، فإذا صلّى، أو رقد قبلها؛ حرم عليه ذلك كله إلى الليلة القابلة، ثم إن عمر بن الخطاب-رضي الله عنه-واقع أهله بعد ما صلّى العشاء، فلما اغتسل؛ أخذ يبكي، ويلوم نفسه، ثم أتى النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم، فقال: يا رسول الله، إني أعتذر إلى الله، وإليك من هذه الخطيئة، وإنّي رجعت إلى أهلي بعد ما صليت العشاء، فوجدت رائحة طيبة، فسولت لي نفسي، فجامعت أهلي. فقال النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم:«ما كنت جديرا بذلك يا عمر!» فقام رجال، فاعترفوا بمثل ذلك، فنزل في عمر، وأصحابه-رضي الله عنهم-أجمعين، قول الله تعالى:{فَالْآنَ بَاشِرُوهُنَّ..}. إلخ.
وعن البراء بن عازب-رضي الله عنه-قال: كان أصحاب محمد صلّى الله عليه وسلّم إذا كان الرجل صائما، فحضر الإفطار، فنام قبل أن يفطر، لم يأكل ليلته، ولا يومه؛ حتى يمسي، وإن قيس بن صرمة الأنصاري-رضي الله عنه-كان صائما، فلمّا حضر الإفطار؛ أتى امرأته، فقال: أعندك طعام؟ قالت: لا، لكن انطلق، فأطلب لك طعاما، وكان يومه يعمل، فغلبته عينه، فنام، فجاءته امرأته، فلما رأته نائما؛ قالت: خيبة لك يا قيس! فلمّا انتصف النهار؛ غشي عليه، فذكر ذلك للنبي صلّى الله عليه وسلّم فنزلت الآية الكريمة، ففرحوا بذلك فرحا شديدا، وذلك قوله تعالى:{وَكُلُوا وَاشْرَبُوا..}. إلخ.
تنبيه: من أكل، أو شرب ناسيا؛ فإنه لا يفطر، سواء أكان الصّوم فرضا، أم تطوّعا، لقوله صلّى الله عليه وسلّم:«من نسي وهو صائم، فأكل أو شرب، فليتمّ صومه، فإنّما أطعمه الله، وسقاه». ومن جامع في رمضان فإنّه يفطر، وتفطر المرأة، وتجب الكفارة على الفاعل فقط عند الشّافعي رحمه الله تعالى، وعند مالك، وأبي يوسف، وأصحاب الرأي تجب على الرّجل، والمرأة، وتوسّط أبو حنيفة، فقال: إن طاوعته؛ فعليها الكفارة مثله، وإن أكرهها؛ فلا كفارة عليها، وأظنّ: أن هذا مذهب أحمد بن حنبل أيضا، رحم الله الجميع برحمة واسعة، ورحمنا معهم.
هذا؛ وأما الفطر في رمضان عامدا متعمدا من غير عذر، ومن غير جماع؛ فيجب عليه القضاء فقط عند الشّافعي، والقضاء مع الكفارة عند غيره، وتأوّل الشافعي الحديث الّذي رواه الترمذيّ عن أبي هريرة-رضي الله عنه-: أن رسول الله صلّى الله عليه وسلّم قال: «من أفطر يوما من رمضان من غير رخصة، ولا مرض؛ لم يقضه صوم الدهر كله؛ وإن صامه» بأنّ المراد بتحصيل الأجر، والثواب؛ الذي يفوته