للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

فأبى عليه، فأنزل الله هذه الآية، فكاتبه حويطب على مئة دينار، ووهب له منها عشرين دينارا، فأداها، وقتل يوم حنين-رضي الله عنه-، وأرضاه.

بيان حكم الآية، وكيفية المكاتبة: وذلك أن يقول السيد لعبده: كاتبتك على كذا من المال، ويسمي مالا معلوما، تؤدي ذلك في نجمين، أو في نجوم معلومة، كل نجم (قسط) كذا، فإذا أديت ذلك؛ فأنت حر، ويقبل العبد ذلك، فإذا أدى العبد المال المتفق عليه عتق، ويصير أحق بمكاسبه من سيده، وما فضل بيده بعد أداء المال المتفق عليه فهو له، ويتبعه أولاده الذين حصلوا في الكتابة في العتق، وإذا عجز عن أداء المال كان لسيده أن يفسخ كتابته، ويرده إلى العتق، ويكون ما في يده من المال لسيده، لما روي عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده-رضي الله عنهم-أنه قال، قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: «المكاتب عبد ما بقي عليه درهم». أخرجه أبو داود. وذهب بعض أهل العلم إلى أن قوله تعالى: {فَكاتِبُوهُمْ} أمر إيجاب، يجب على السيد أن يكاتب عبده الذي علم أن فيه خيرا؛ إذا سأل العبد ذلك على قيمته، أو على أكثر من قيمته، وإن سأل المكاتبة على أقل من قيمته، لا يجب، وهو قول عطاء، وعمرو بن دينار؛ لما روي: أن سيرين، -أبا محمد بن سيرين- سأل أنس بن مالك-رضي الله عنهم أجمعين-أن يكاتبه، فأبى، فانطلق سيرين إلى الفاروق -رضي الله عنه-، فشكاه إليه، فدعاه الفاروق، فقال له: كاتبه، فأبى، فضربه بالدّرّة، وتلا قوله تعالى: {فَكاتِبُوهُمْ إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْراً} فكاتبه. انتهى خازن بتصرف.

وقد اختلف في معنى (الخير) فقال الشافعي-رحمه الله تعالى-: أظهر معاني الخير في العبد، الاكتساب مع الأمانة، فأحب أن لا يمنع من المكاتبة؛ إذا كان هكذا، وعن أبي هريرة -رضي الله عنه-أن رسول الله صلّى الله عليه وسلّم قال: «ثلاثة حقّ على الله عونهم: المكاتب الذي يريد الأداء، والنّاكح الّذي يريد العفاف، والمجاهد في سبيل الله». أخرجه الترمذي، والنسائي.

{وَآتُوهُمْ مِنْ مالِ اللهِ الَّذِي آتاكُمْ:} هذا خطاب لسادات المكاتبين أن يحطوا عنهم شيئا من المال الذي كاتبوهم عليه. وقيل: هو حث لجميع المسلمين على مساعدتهم في تحرير رقابهم، ولذا فقد جعل الله لهم نصيبا مفروضا من الزكاة، وذلك في قوله تعالى: {وَفِي الرِّقابِ} من آية التوبة رقم [٦٠]. وأكتفي بهذا؛ لأنه لم يبق للرق وجود في الدنيا. وقد كان في الزمن الغابر وقبل الإسلام يعمّ العالم وجوده، ولا أحكام تضبطه، ثمّ أخذت أحكامه قسطا كبيرا من الفقه الإسلامي.

{وَلا تُكْرِهُوا فَتَياتِكُمْ عَلَى الْبِغاءِ:} المراد ب‍: (الفتيات): الإماء، و {الْبِغاءِ} الزنى، فقد روي عن جابر، وابن عباس-رضي الله عنهما-أن هذه الآية نزلت في عبد الله بن أبيّ المنافق، فقد كانت له جاريتان: إحداهما تسمى: معاذة، والأخرى مسيكة، وكان يكرههما على الزنى، ويضربهما عليه ابتغاء المال، وكسب الولد، إن حبلت إحداهما، أو كلتاهما، فشكتا ذلك إلى النبي صلّى الله عليه وسلّم، فنزلت

<<  <  ج: ص:  >  >>