نطّوّف بالصّفا، والمروة في الجاهلية، فأنزل الله عز وجل:{إِنَّ الصَّفا وَالْمَرْوَةَ..}. إلخ. قالت عائشة-رضي الله عنها-: «ثمّ قد سنّ رسول الله صلّى الله عليه وسلّم الطواف بهما، فليس لأحد أن يدع الطواف بهما». رواه الشيخان، وأحمد. وقال أنس-رضي الله عنه-: كنّا نرى: أنّهما من أمر الجاهلية، فلما جاء الإسلام؛ أمسكنا عنهما، فأنزل الله عز وجل:{إِنَّ الصَّفا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعائِرِ اللهِ}. وقال الشعبيّ: كان (إساف) على الصفا، وكانت (نائلة) على المروة، وكانوا يستلمونهما، فتحرّجوا بعد الإسلام من الطواف بينهما، فنزلت هذه الآية. وقال طليب: رأى ابن عباس-رضي الله عنهما-قوما يطوفون بين الصفا، والمروة، فقال: هذا ما أورثتكم أمّكم أمّ إسماعيل.
هذا؛ وذكّر الصّفا؛ لأنّ آدم عليه السّلام وقف عليه فسمي به، ووقفت حواء على المروة فسميت باسم المروة، فأنّث لذلك، وزعم أهل الكتاب: أنّ إساف، ونائلة زنيا في الكعبة فمسخهما الله حجرين. فوضعوهما على الصفا، والمروة ليعتبر بهما الناس، فلما طالت المدة؛ زين الشيطان عبادتهما لهم، فعبدا من دون الله. والله تعالى أعلم.
وفي صحيح مسلم-رحمه الله تعالى-: أنّ رسول الله صلّى الله عليه وسلّم لما فرغ من طوافه بالبيت عاد إلى الرّكن، فاستلمه، ثمّ خرج من باب الصّفا، وهو يقول:{إِنَّ الصَّفا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعائِرِ اللهِ} ثمّ قال: «أبدأ بما بدأ الله به»، وقال:«اسعوا فإنّ الله كتب عليكم السّعي». وقد استدلّ بهذا الحديث من يرى: أنّ السّعي بين الصفا والمروة ركن في الحج، كما هو مذهب الشّافعي، ورواية عن أحمد، وهو المشهور عن مالك. وقيل: إنّه واجب، وليس ركنا، فإن تركه عمدا، أو سهوا؛ جبره بدم. وهو رواية عن أحمد، وهو عند الحنفية مستحب، وقيل: واجب. واحتجّوا بقوله تعالى:{فَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْراً} والقول الأوّل أرجح؛ لأنّ النبي صلّى الله عليه وسلّم طاف بينهما، وقال:«خذوا عنّي مناسككم»، وبيّن الله تعالى: أنّ الطواف بين الصفا، والمروة من شعائر الله، أي ممّا شرع الله تعالى لإبراهيم، وإسماعيل في مناسك الحج.
وقد تقدم في حديث ابن عباس-رضي الله عنهما-: أنّ أصل ذلك مأخوذ من طواف هاجر رحمها الله تعالى، وتردادها بين الصّفا، والمروة في طلب الماء لها، ولولدها لمّا نفد زادهما، فلم تزل تتردّد في هذه البقعة المشرّفة بين الصفا والمروة، متذلّلة، خائفة، وجلة؛ حتّى كشف الله كربتها، وآنس غربتها، وفرّج شدّتها، وأنبع لها زمزم؛ التي ماؤها (طعام طعم، وشفاء سقم) فالسّاعي بينهما ينبغي له أن يستحضر فقره، وذلّه، وحاجته إلى الله في هداية قلبه، وصلاح حاله، وغفران ذنبه، وأن يلتجئ إلى الله-عز وجلّ-لتفريج ما هو به.
الإعراب:{إِنَّ:} حرف مشبه بالفعل. {الصَّفا:} اسمها منصوب، وعلامة نصبه فتحة مقدرة على الألف للتعذر، وهناك مضاف محذوف؛ إذ الأصل: إنّ طواف الصفا، فلما حذف المضاف؛ أخذ المضاف إليه محلّه في الإعراب. {وَالْمَرْوَةَ:} معطوف على سابقه. {مِنْ شَعائِرِ:} متعلقان بمحذوف خبر: {إِنَّ،} والجملة الاسمية: {إِنَّ الصَّفا وَالْمَرْوَةَ..}. إلخ ابتدائية لا محل لها من