شيء لم يحرّم، فحرّم من أجل مسألته». وثبت في الصّحيحين من حديث المغيرة بن شعبة: أنّ رسول الله صلّى الله عليه وسلّم كان ينهى عن قيل، وقال، وإضاعة المال، وكثرة السؤال.
وفي صحيح مسلم:«ذروني ما تركتكم: فإنّما هلك من كان قبلكم بكثرة سؤالهم، واختلافهم على أنبيائهم، فإذا أمرتكم بأمر؛ فأتوا منه ما استطعتم، وإن نهيتكم عن شيء؛ فاجتنبوه». وهذا إنّما قاله بعد ما أخبرهم: أنّ الله كتب عليهم الحجّ، فقال رجل: أكلّ عام يا رسول الله؟ فسكت عنه رسول الله صلّى الله عليه وسلّم ثلاثا، ثم قال صلّى الله عليه وسلّم:«لا، ولو قلت: نعم؛ لوجبت؛ ولو وجبت؛ لما استطعتم». ثمّ قال:«ذروني ما تركتكم». ولهذا قال أنس بن مالك-رضي الله عنه-: نهينا أن نسأل رسول الله صلّى الله عليه وسلّم عن شيء، فكان يعجبنا أن يأتي الرّجل من أهل البادية، فيسأله؛ ونحن نسمع. وعن ابن عباس-رضي الله عنهما-قال: ما رأيت قوما خيرا من أصحاب محمد صلّى الله عليه وسلّم، ما سألوه إلا عن اثنتي عشرة مسألة، كلّها في القرآن:{يَسْئَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ} و {يَسْئَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرامِ} و {وَيَسْئَلُونَكَ عَنِ الْيَتامى} يعني: هذا وأشباهه، رواه البزّار عن سعيد بن جبير عن ابن عباس، رضي الله عنهما.
هذا؛ ويفيد: أنّ الخطاب للمؤمنين، ويؤيده قوله تعالى:{كَما سُئِلَ مُوسى مِنْ قَبْلُ} أي:
فقد سأل بنو إسرائيل موسى أسئلة كثيرة كلّها تعنّت، وعناد، مثل قولهم:{أَرِنَا اللهَ جَهْرَةً،}{اِجْعَلْ لَنا إِلهاً كَما لَهُمْ آلِهَةٌ..}. إلخ وغير ذلك كثير. وقيل: السائل اليهود، فعن ابن عباس؛ قال: قال رافع بن حرملة، ووهب بن زيد: يا محمد! ائتنا بكتاب تنزله علينا نقرؤه، وفجر لنا أنهارا نتبعك، ونصدقك. ويكون قوله:{رَسُولَكُمْ} مأخوذ من عموم بعثته صلّى الله عليه وسلّم للخلق أجمعين، واليهود داخلون في هذا العموم بلا ريب، ولا شك، فصحّ توجيه الخطاب إليهم بهذا العموم، وأيضا سياق الكلام سابقا، ولاحقا في شأن اليهود.
وقال النّسفي: روي: أن قريشا قالوا: يا محمد! اجعل لنا الصّفا ذهبا، ووسّع لنا أرض مكة، فنهوا أن يقترحوا عليه الآيات، كما اقترح قوم موسى عليه حين قالوا:{اِجْعَلْ لَنا إِلهاً} وهذا لا وجه له؛ لأنّ سورة البقرة مدنيّة بالإجماع، وسؤال قريش هذه الأسئلة مذكور في سورة الإسراء، وغيرها من السّور المكيّة.
{وَمَنْ يَتَبَدَّلِ الْكُفْرَ بِالْإِيمانِ} أي: ومن يشتر الكفر بالإيمان، ويرضى بذلك. {فَقَدْ ضَلَّ سَواءَ السَّبِيلِ} أي: فقد أخطأ الطّريق المستقيم إلى الجهل، والضلال، و {سَواءَ السَّبِيلِ:} وسطه، وانظر معانيه الكثيرة فيما تقدم، هذا؛ و {السَّبِيلِ:} الطريق، يذكر، ويؤنث، بلفظ واحد، فمن التذكير قوله تعالى:{وَإِنْ يَرَوْا سَبِيلَ الرُّشْدِ لا يَتَّخِذُوهُ سَبِيلاً وَإِنْ يَرَوْا سَبِيلَ الغَيِّ يَتَّخِذُوهُ سَبِيلاً} ومن التأنيث قوله تعالى: {قُلْ هذِهِ سَبِيلِي أَدْعُوا إِلَى اللهِ} والجمع على التأنيث: سبول، وعلى التذكير:
سبل بضمتين، و: سبل بضم فسكون. هذا؛ بالإضافة لما ذكرته في الآية رقم [٢٦].