للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

وقال في تفسير أهل الإشارة: "ولم أزل أطلبُ هذا الفن في مظانه، وفي مراجعة شيوخه فيه؛ حتى وقفتُ على حقيقة مذهبه" (١).

فظهر بهذا أن الإمام ابن العربي عارف بمذاهب المتصوفة، عالم بطرائقهم، مُمَيِّزٌ لمقالاتهم، مُدْرِكٌ لمقاماتهم، وذلك إنمَّا تأتَّى له بمخالطته للقوم، ومصاحبته لرؤسائهم، وقد كان منهم جماعة لا يُحْصَوْنَ ببيت المقدس وأكنافه؛ من العابدين والعاكفين، والمرابطين والمجاورين، اجتمعوا من أقاصي الأرض ليعبدوا ربهم في المسجد الأقصى، ولقي منهم خَلْقًا من تلامذة أبي القاسم القُشَيْرِي، منهم: أبو سعد محمد بن طاهر الزَّنجاني الشهيد تـ ٤٩٢ هـ، ومنهم؛ أبو بكر الطُّرْطُوشي تـ ٥٢٠ هـ، وهو شيخه الذي فتح له أبواب العبادة والعناية أيَّام مقامه ببيت المقدس.

قال ابنُ العربي في شأن صُحْبَتِه لشيخه أبي بكر الطُّرْطُوشِي: "لقد كُنَّا نخرج من المسجد الأقصى مع شيخنا أبي بكر الفِهْرِي في جملة الأصحاب على الفُتُوح، أقل ما تكون خمسة، وأكثره خمسون، فندور على قبور الأنبياء، ونجول في قُرَى الشام المجاورة المدة الطويلة، قرى ظاهرة مباركة، آمنين فرحين، يُغْدَى علينا ويُرَاحُ بما نحتاج إليه، ونحن نقطع من روضة إلى روضة، ومن متعبَّد إلى متعبَّد، وكذلك سائر الناس من متفقهة وصوفية" (٢).

وهي سيرةٌ أقرب ما يكون إلى سيرة الصوفية، وفيها معالم بارزة من معالم طريقتهم، الدلالة على الله، وعدم التعويل على الزاد، وحسن


(١) قانون التأويل: (ص ١٩٧).
(٢) سراج المريدين: (١/ ٨٣).

<<  <  ج: ص:  >  >>