وقد ذهل عقله، فسلم سلامًا محتفلًا فقال له: ما بالك؟ قال: أبو دكرك جرى عليّ منه ما جرى، كذا وكذا. فقال أبو إسحاق: من أبو دكرك؟ دكرك الله به الأرض. ثم قال لمن حوله: إن صاحبكم مضطرب
فاقصدوا به باب الملك الجبار. وأقبل على الدعاء، ومن حضر يؤمّن. ثم قال: تُكفى مؤنته، إن شاء الله تعالى. فكان من دعائه: اللهم دكرك الأرض بأبي دكرك. فلما كان الغد، أتانا السنّي يعرفنا أن أبا دكرك، قتله عبيد والي البلد، وأخفوه. فاجتهدوا في طلب جسده وبذل السلطان عليه مالًا، فما وُجد له أثر. دكرك الله به الأرض. وسلم السني. قال اللبيدي: ووصل إلينا محمد الترجمان، وطلب من أهل موضعنا خمرًا. فقالوا له: ما بهذا البلد أحد يشربها لانا بجوار هذا العابد - يعنون أبا إسحاق - فقال: مَن العابد؟ أنا أخرج قلبه على رمحي، ما يعرف هو غير مولاه - يعني السلطان - فمضى أهل القرية يشكون الى أبي إسحاق، ويعرّفوه. فقالوا: إنا خائفون على أنفسنا، وحريمنا. وقد تركوا معه أحدهم يلاطفه. فوجدوا أبا إسحاق مستقبلًا، فدعا بدعاء عظيم. ثم قال: تكفون مؤنته إن شاء الله. لا يدخل إليكم أبدًا. قال أبو القاسم: فرجعوا ورجعت معهم، فوجدناه قد شدّ على خيله متوجهًا الى الجبل. فسقط في جرف، وسقط عليه فرسه، فمات. قال أبو إسحاق: رأينا منه ما يضيق بوسعه الكتاب. ومرّ به صاحب خير السلطان، وهو يؤذن، فقال له: يا منافق. لم تصدّ عن دعوة مولانا؟ فلما قضى الشيخ أذانه، قال: أذلك الله يا فاسق على يد من اعتززت به. فنقم عليه السلطان شيئًا فضربه خمسماية سوط. وصُلب حيًّا. فكان يقول: دواء مجرب، من أحب أن يضرب خمسماية سوط ويصلب حيًا فليسبّ الجبنياني. قال أحد أولاده: خرجنا عند الغروب من صفاقس، مع الشيخ، فأظلم علينا الليل، فلقينا السلاّبة.