هممت ولم أفعل ولو كنت صادقًا … عزمت ولكن الفطام شديد
ألا ليت شعري هل أبيتنّ ليلةً … إليك انقطاعي أنني لسعيد
[محنته ووفاته رحمه الله تعالى]
قال ابن حارث: كان يحيى بن عمر شجىً على العراقيين. أخبرني من كان جالسًا مع ابن عبدون، وكان رأسًا فيهم. حتى خطر ابن عمر، راكبًا، على رأسه قلنسوة. فجعل وجه ابن عبدون يتلوّن شرقًا له. فلما ولي ابن عبدون القضاء طلب يحيى، وأخافه حتى توارى عنه، وخرج الى سوسة، فاختفى بها. ويقال إنه خرج ليلًا متنكرًا فمرّ على دور بعض أهل العراق، وبها مشتعل، فخاف أن يروه. فوقف. فإذا بريح قد أطفأته. فجاز. فبعث ابن عبدون كتابًا الى عبد الله بن هارون الكوفي، يقول فيه صح عندي، أن ابن عمر، متوارٍ بتونس، فاطلبه وأوثقه، وابعث به إليّ. قال محمد بن عمر أخوه. فوجّه الكوفي إليّ وعرض عليّ الكتاب، فقرأته واربدّ وجهي، فقال: لا يسوء ظنك. فلم أبعث فيك لمكروه. ولكن لأعجبك من ابن
عبدون، أن يريد مني أني آتي الى إمام من أئمة المسلمين، فأرسله إليه ليمتهنه. إن كان أخوك بهذا البلد، فهو من أهل هؤلاء العزّل. قال أبو العرب: وذهل آخر عمره. وتوفي رحمه الله تعالى بسوسة في ذي الحجة سنة تسع وثمانين ومائتين وسنّه سبعون سنة. مولده بالأندلس. سنة ثلاث عشرة ومائتين ورثاه سعدون الروحي بقصيدة أولها:
عين ألمّ بها وجدٌ ولم تنم … تبكي بدمع كنظم الدر منسجم
يا موت أثكلتنا يحيى وكان لنا … في بلدة الغرب مثل البدر في الظلم
ما كان إلا سراجًا يستضاء به … في العلم يسمع منه العلم في الحكم
وكان يحيى إذ أخفنا لنا حرمًا … يلجى إليه فقد صرنا بلا حرم