العام ٨ هجرية فتح المسلمون مكة دون قتال: ﴿لَقَدْ صَدَقَ اللهُ رَسُولَهُ الرُّؤْيا بِالْحَقِّ لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرامَ إِنْ شاءَ اللهُ آمِنِينَ مُحَلِّقِينَ رُؤُسَكُمْ وَمُقَصِّرِينَ لا تَخافُونَ فَعَلِمَ ما لَمْ تَعْلَمُوا فَجَعَلَ مِنْ دُونِ ذلِكَ فَتْحاً قَرِيباً﴾ (٢٧)
﴿ونبوءة أخيرة بحتمية انتشار الإسلام في أنحاء العالم وظهوره على كافة الأديان: ﴿هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَكَفى بِاللهِ شَهِيداً﴾ (٢٨)
والآية الأخيرة من السورة تلخص أحداثها بنموذج اجتماعي يتكرر في كل العصور، فهي تشبّه جماعة المؤمنين الناشئة في جزيرة العرب زمن البعثة - وبالتالي في كل مجتمع آخر وفي كل زمن - بالنبتة الصغيرة التي تنمو وتكبر وتشتد، وهو ما برهنت الأحداث في صلح الحديبية وما بعده على صحته: ﴿مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدّاءُ عَلَى الْكُفّارِ﴾ فلا يتوصلون معهم إلى حلول وسط في شؤون العقيدة ﴿رُحَماءُ بَيْنَهُمْ تَراهُمْ رُكَّعاً سُجَّداً يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِنَ اللهِ وَرِضْواناً سِيماهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ﴾ أي لشدة تقواهم وتواضعهم تجاه بعضهم البعض ﴿ذلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْراةِ وَمَثَلُهُمْ فِي الْإِنْجِيلِ﴾ كما كان المفترض في أتباع الديانات السابقة فكذلك في الإسلام: ﴿كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوى عَلى سُوقِهِ يُعْجِبُ الزُّرّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفّارَ﴾، فالصلح يؤتي ثماره باختلاط الكفار مع المسلمين وانتشار ونمو الإسلام سلما بالقناعة والقدوة الحسنة، وبالتالي فإنّ مغفرة الله والأجر العظيم بانتظار من يؤمن من الكفار ويقرن إيمانه بالعمل الصالح: ﴿وَعَدَ اللهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ مِنْهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْراً عَظِيماً (٢٩)﴾.