للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

وضرر القسمة مشروع، لا يصلح علة لتحقيق (١) ضرر غيره، وهو التمليك على المشتري من غير رضاه.

وهذا جواب عن قوله: (لأن مؤنة القسمة يلزمه)؛ أَلَا تَرى أنَّ مؤنة القسمة تلزم الشريك في المنقولات، ولا تُثبت الشفعة عند بيع أحد الشريكين نصيبه.

اعلم أنَّ أصلَ مَنشأ الخلاف بيننا وبين الشافعي راجعٌ إلى مَعنيين عندنا وعنده؛ فعندنا (٢) المعنى المؤثر لوجوب الشفعة عند البيع اتصال الملك ليدفع الشفيع بثبوت حق الشفعة له سوء (٣) ضرر الجوار، سواء كان ذلك الاتصال في نفس المبيع، أو في حقوقه، أو بالجار الملاصق؛ فلذلك استوى عندنا ما يُقَسَّم وما لا يُقَسَّم.

وعند الشافعي- رحمه الله- (٤) المعنى المؤثر في استحقاق الشفعة عند البيع لزوم مؤنة بالقسمة؛ لأنه لو لم يأخذ الشفيع المبيع بالشفعة طالبه المشتري بالقسمة، فيلحقه بسببه مؤنة القسمة، فالشرع مكَّنه من الأخذ بالشفعة ليدفع به ضرر مؤنة القسمة عن نفسه، وعن هذا قال: «لا تجب الشفعة فيما لا يحتمل القسمة؛ لاندفاع ضرر مؤنة القسمة [في نفسه] (٥) وكذلك في الجار؛ لأنه لا قِسمة هناك (٦).

وكذلك (٧) لا يُوجب الشفعة في المنقولات أيضًا؛ لأنَّه يتمكن من دفع مؤنة القسمة ببيع نصيبه، والبيع والشراء في المنقول معتاد بخلاف العقار.

ولما كذلك (٨) نفى الشأن بيننا وبينه في الترجيح، وإنا نقول بأن (٩) حق الشفعة إنما وَجَب لدفع ضرر التأذي، وهو معنى مؤثر فيه؛ لأنه/ يُبقي بينهما منازعة دائمة، فلو قال (١٠) الخَصم: يمكن دفع ذلك الضرر الصادر من الجار بالمرافعة إلى السُّلطان أو بالمقاتلة معه!

قلنا: ذاك ضررٌ أيضًا أشدُّ من السكوت والتصبر (١١)؛ لأنه محتاج (١٢) إلى المرافعة، وهما (١٣) لا يندفع؛ فتَبقى الشحمة الزائدة بينهما، فكان ما ذكرنا مؤثرًا في إثبات حق الشفعة.

وأمَّا ضررُ المقاسمة، فذاك ليس بضرر؛ لأنه حقٌّ مُستحق عليه شرعًا، وإيفاء الحق المستحق لا يُعَدُّ من باب الإضرار على أن مثل هذا الضرر يتحقق في العرف من المشتركة (١٤)، ومع ذلك لا تجب الشفعة فيها. إلى هذا أشار في «المبسوط» (١٥)؛ لأنَّه في كل جزء، أي: لأن الاتصال في كل جزء، وبعده، أي: وبعد الاتصال بالشركة في البيع الاتصال في الحقوق؛ لأن الاتصال هاهنا ليس في كل جزء، ومن البيع الذي هو المقصود، بل الاتصال في الموافق (١٦)، وهي توابع، فكان هذا الاتصال دون الأول، فلذلك تأخر حكمه عن الأول، ولأن ضرر القسمة إن لم يصلح علة كما فعله (١٧) الشافعيُّ يَصلح مُرَجِّحًا، وذلك لأن الترجيح أبدًا إنما يقع بما لا يكون (١٨) علة للاستحقاق.


(١) في (ع): «لتحقق».
(٢) في (ع): «فهذه».
(٣) في (ع): «سوى».
(٤) ينظر: العناية: ٩/ ٣٧٤، البناية: ١١/ ٢٨٣.
(٥) ساقط من: (ع).
(٦) كفاية النبيه في شرح التنبيه (١١/ ٤).
(٧) في (ع): «ولذلك».
(٨) في (ع): «ولما كان كذلك».
(٩) في (ع): «إن».
(١٠) في (ع): «كان».
(١١) في (ع): «والصبر».
(١٢) في (ع): «لا يحتاج».
(١٣) في (ع): «وربما».
(١٤) في (ع): «المشترك».
(١٥) ينظر: المبسوط: ١٤/ ٩٥ وما بعدها.
(١٦) في (ع): «المرافق»، وهو الصواب لموافقته سياق الكلام.
(١٧) في (ع): «جعله».
(١٨) في (ع): «إنما لا يقع إلا يكون».