العلم، فلم يزل أبو ابراهيم عليه بالدرب والتحريض على المطالعة وإقامة الدرس حتى فتح عليه، وكان أول طلبه ممكنًا في عيشه يتجر في سوق البزازين لا يفارق أثناء ذلك المطالعة في جلوسه وحركته، فلما شهر في الناس حذقه، واحتاجوا الى فتواه قلده الحكم الشورى، وقرر القاضي ابن السليم أمره للحكم فأخرج له ألف دينار فلما رآها هالته، قال: كنت أرى القيامة قد قامت وأنا أساق الى العرض، فكنت أسير وأجد في نفسي قوة فإن أمري على دين الإسلام، فكنت أقف بين يدي العرض فأحاسب يسيرًا، ثم يقال لي أقعد فأنت آمن، ثم يؤتى بصكوك كثيرة، فيقال لي خذ كتابك فأقبض يدي ثم الثانية فلا آخذه ثم الثالثة فكنت كذلك ثم استيقظت، وبي رجف من الفزع فلم يلهني، فانقطع بعد هذه الرؤيا ولم تبق من نفسه بقية الى أن مات، ذكر أن صديقًا له قصده في عيد زائرًا له فأصابه داخل داره ودربه مفتوح، فجلس منتظره وأبطأ عليه، فأوصى إليه فخرج وهو ينظر في كتاب فلم يشعر بصديقه حتى عثر فيه لاشتغال باله بالكتاب، فتنبّه حينئذ له، وسلم عليه، واعتذر إليه من
احتباسه بشغله بمسألة عويصة لم يمكنه تركها حتى فتحها الله عليه، فقال له الرجل: في أيام عيد ووقت راحة مسنونة؟ فقال: إذا علمت بهذه النفس انصبت الى هذه المعرفة، والله ما لي راحة ولا لذة في غير النظر والقراءة. قال ابن عفيف: إليه انتهت رئاسة العلم بالأندلس حتى صار بمثابة يحيى بن يحيى في زمانه، واعتلى على جميع الفقهاء، ونفذت الأحكام برأيه، فحكم على الحاكم، وبعد صيته بالأندلس، وحاز رئاسة أحاديثها مشهورة، وكان ﵀ من ذوي المتانة في دينه والصلابة في رأيه والبعد عن هوى نفسه، لا يداهن السلطان، ولا يدع صدعه بالحق، كان البعيد والقريب عنده في الحق سواء.