للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

ابن زرب لا يجلس للحكومة حتى يأكل. وكان موصوفًا بطيب الطعام، له منه ومن الحلوى والفاكهة وظيفة معلومة، كان لا يؤاكل أحدًا إذا قرّب عامه قرمًا عليه، دون أن يستدعي أحدًا، فلما كان أحد الأيام حضره المتطيب الترجلي وكان يخف عليه فقرع عليه وقال لا أريد فقال المتطيب فما قولك لمن يريده فقال نعمى عين ومسرة وعلي أن تأكل وحدك فلا فضل في الأكل. فقال المتطيب تكفاه، فضحك وأمر فتاه بإخراج

المائدة فقدمها عليها ثريدة صغيرة من درمك مكللة بلحم خروف الصنعة، ثم بعدها جنب خروف مشوي برغيف درمك، فقال: هذا طعامي الذي يكثر عليّ فيه، لونان كل وقت لا أزيد عليهما، ولا سرف في لونين. فقال له: أيها القاضي أمن أصل تقوله؟ قال نعم، ورفع فيه حديًا لبعض السلف، لم يذكره الراوي: قال ابن الفرضي: وكان بعيدًا من الحيف في أحكامه وفيه سلامة حال، قال غيره: كان كريم العناية نفاعًا لمن صحبه وكان ابن أبي عامر يعظمه ويستحسنه ويتحرك إليه إذا أتاه ويجلسه معه في فراشه، لم يقبّل له ابن زرب يدًا قط عند أخذه أهل مملكته، ولما أشهر ابن أبي عامر جامع الزاهرة واستشار الفقهاء في التجميع فيه أفتى القاضي بمنع ذلك وقال بقوله ابنا ذكوان، وابن المكوى، وابن وافد، وابن الفرج الطائي، وجماعة، وساعده ابن العطار على التجميع فاستحيى خلاف ابن زرب وآدابه كثيرة، وتوفي في رمضان سنة إحدى وثمانين، ومولده في رمضان سنة سبع عشرة وثلاثماية. وتفاقده الناس وأثنوا عليه حسنًا، وأظهر ابن أبي عامر لموته غمًا شديدًا. وكتب لورثته كتاب حفظ ورعاية انتفعوا به، وتفقدهم في حياته، واستدعى ابنه محمدًا وهو طفل ابن ثلاثة أعوام فوصله بثلاثة آلاف دينار والطاف قيمتها ألف دينار، قال القاضي غريب بن محمد: رأيت ابن زرب بعد وفاته، فسألته؟ فقال: ما وجدت شيئًا أضرّ من

<<  <  ج: ص:  >  >>