للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

قلت تكليف، والتكليف اقتضاء فعل ما، فيه مشقة على المكلف. وما لا يطاق لا يفعل بمشقة، ولا بغير مشقة. فسكت السائل، وأخذ في الكلام الأحدب فقال: أيها الرجل، سئلت عن كلام مفهوم، فطرحته في الاحتمالات، وليس ذلك بجواب. وجوابه إذا سئلت أن تقول: نعم، أو لا. قال القاضي: فأحفظني كلامه، لما لم يوقرني، توقير الشيوخ. وقلت له: يا هذا، أنت عائم ورجلاك في الماء. إنما طرحت السؤال في الاحتمالات، وقد بينت لك الوجوه المحتملة. فإن كان معك في المسألة كلام، فهاته، وإلا تكلم في غيرها. فأعاد الكلام الأول. فقال الملك: هذا الشيخ، قد بيّن وجوه الاحتمال، وليس لك أن تعيب عليه، ولا أن تغالطه، وما جمعتكم إلا لفائدة، لا للمهاترة ولما لما لا يليق بالعلماء. ثم التفت الملك الى القاضي، وقال له: تكلم على المسألة. فقال القاضي: ما لا يطاق، على ضربين. أحدهما، لا يطاق للعجز عنه، والآخر لا يطاق للاشتغال عنه بضده. كما يقال: فلان لا يطيق التصرف لاشتغاله بالكتابة. وهذا سبيل الكافر، أنه لا يطيق الإيمان، لاشتغاله بالكفر، وهو ضده. وأما العاجز فما ورد في الشريعة تكليفه، ولو ورد لكان جائزًا. وقد أثنى الله تعالى على من سأله ألا يكلفه ما لا يطيق. فقال ﷿: ولا تحمّلنا ما لا طاقةَ لنا به. لأن الله تعالى، له أن يفعل في ملكه ما يريد. ثم تجاوز الأحدب الكلام الى غيره. وتكلم معه القاضي. ومال الملك الى قوله. ثم

التفت الملك فقال: سلوا أبا إسحاق النصيبيني، عن مسألة الرؤية. فأنكر رؤية الله تعالى في الآخرة. وسئل ما حجته؟ فقال: كل شيء يرى بالعين فيجب أن يكون في مقابلة عين الرائي، فالتفت الملك الى القاضي أبي بكر، فقال القاضي أبو بكر: لا يرى بالعين. فعجب الملك من قوله، وقال قاضي القضاة: فإذا لم يرَ بالعين، فبماذا يرى؟ فقال القاضي: يرى بالإدراك الذي يحدثه

<<  <  ج: ص:  >  >>