للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

مسار الصفحة الحالية:

وهذه أحكام البيع، وهي بطلان الإقالة بهلاك السلعة، والرَّدِ بالعيب، وثبوت الشُفْعة بها، تدل على أن الإقالة بيعٌ، فالاستدلال (١) بالأثر على العلِّة (٢) إنما يصح إذا كان ذلك الأثر أثرًا مخصوصًا بذلك المؤثِّر؛ كالاستدلال بالدخان على النار، وهذه الأحكام بهذه المثابة؛ لأنها لا توجد بدون البيع، فصح الاستدلال بها، بخلاف الملك فإنه غير مختص بالبيع.

ولأبي حنيفة -رحمه الله- أن اللفظ ينبئ عن الرفع والفسخ … إلى أن قال فتعين البطلان (٣).

فإن قيل: إعمال الألفاظ بمعنى (٤) من المعاني عند دلالة الدليل عليه أولى من الإبطال، ثم في لفظ الإقالة لما تعذر اعتبار الحقيقة (٥) وجب أن يجعل عبارةً عن البيع المبتدأ؛ لأن اللفظ محتملة (٦)، ألا ترى أنا جعلناه بيعًا في حق الثالث.

قلنا (٧): إن اللفظ لا يحتمل البيع البتَّة؛ للتضاد بين اللفظين وضعًا، فإن الفسخ ضد العقد لا محالة، واللفظ كيف تجعل مجازاً عن ضده، فأما في حق الثالث فنحن ما جعلنا اللفظ مجازاً عن البيع في حقه، ولكن لما ثبت حكم البيع بهذا اللفظ وهو حصول الملك للبائع ببدل أظهرنا هذا الموجب في حق ثالث، فأما في حقهما فاللفظ إذا لم يكن اعتباره بحقيقته ولا يصلح مجازاً عن البيع لغا في نفسه، كذا في الإيضاح (٨).


(١) في (ت): بالاستدلال.
(٢) العلة: هي المعنى الجالب للحكم. العدة في أصول الفقه للقاضي أبي يعلى، محمد بن الحسين بن محمد بن خلف ابن الفراء، حققه وعلق عليه وخرج نصه: د أحمد بن علي بن سير المباركي، الأستاذ المشارك في كلية الشريعة بالرياض - جامعة الملك محمد بن سعود الإسلامية، الطبعة: الثانية ١٤١٠ هـ - ١٩٩٠ م (١/ ١٧٥).
(٣) ينظر: "العناية شرح الهداية" للبابرتي (٦/ ٤٨٨)، و"البناية شرح الهداية" للعيني (٨/ ٢٢٦).
(٤) في (ت): لمعنى.
(٥) الحَقِيقة: هي اسم لما أريد به ما وُضع له، أو كل لفظ يبقى على موضوعه. التعريفات الفقهية (١/ ٨٠).
(٦) في (ت): يحتمله.
(٧) في (ت): «قلت».
(٨) "الإيضاح" لعبد الرحمن بن محمد بن أميرويه بن محمد بن إبراهيم، ركن الدين، أبو الفضل الكرماني، ولد ٤٥٧ هـ، وقدم مرو فتفقه وبرع، حتى صار إمام الحنفية بخراسان، من تصانيفه: "شرح الجامع الكبير" و"التجريد" وشرحه وهو "الإيضاح" و"إشارات الأسرار" و"النكت على الجامع الصغير"، وتوفي سنة ٥٤٣ هـ، والكتاب له عدة نسخ خطية في يني جامع - تركيا ٣٦٩ وغيرها، ولم نطلع عليه. "سير أعلام النبلاء" (٢٠/ ٢٠٦)، و"الجواهر المضية في طبقات الحنفية" (١/ ٣٠٤)، و"تاج التراجم" (صـ ١٨٤)، و"الأعلام" (٣/ ٣٢٧).