قلت: واشتد البلاء وهلك ناس كثير في هذه المصادرة وافتقروا وإلى اليوم، وبعضهم ركبه الدين، وجبي من بعض الناس على الرؤوس والدور، ثم يوم التاسع والعشرين نودي في البلد بإطلاق الطلب وانصرفت الأعيان إلى بيوتهم.
وفي سلخ الشهر كان قبجق قد سكن بدار السعادة، ويذهب إليها من خان الغرباء، فرموا عليه بالمنجنيق وبالنار من القلعة، فوقع فيها الحريق وابتدئ يومئذ بحصار قلعة دمشق من داخل البلد وخارجه، ودخل المغل للحصار، وملأوا باب البريد إلى الظاهرية إلى ناحية الخاتونية وحارة البلاطة، وباتوا هناك، وعملت هذه الأيام المجانيق للتتار بجامع دمشق وقطعت لها الأخشاب النفيسة من الغيظة، وأحضرت الأعواد الكبار إلى الجامع وبات الترك لحفظها، وكسرت دكاكين باب البريد ونهبت وتحول في الليل جميع أهل تلك النواحي من الأسطحة وذهبت أموالهم وأقواتهم وتعثروا وقاسوا الشدائد ولم يبق بذاك الخط ديار من أهله، ونهبت دار للسكر يومئذ وأبادتها الحرافشة.
وأما الجيوش فدخلت القاهرة وأنفق فيهم السلطان وشرعوا في شراء الخيل والعدد، وغلت هذه الأشياء حتى أبيع الجوشن الذي بعشرة بمائة درهم ونحو ذلك، وكانت نفقة عظيمة لم يعهد مثلها ولا سيما في الشاميين، ولعلها تجاوزت ألف ألف دينار، وأزيحت علل الجيش بكل ممكن، واحتفل سلار لذلك واجتهد بكل ممكن هو وكبار الأمراء، وبعثوا قصادًا يكشفون لهم خبر الشام وبذلوا لهم ذهبًا كثيرًا، ولزم الناس بيوتهم، وخافوا من إلزام التتار لهم بطم خندق القلعة وغير ذلك.
وفي ثاني جمادى الأولى كان قد تبقى بدير المقادسة بعض الشيء وبعض الحريم والرجال والقاضي الحنبلي، فجاءته فرقة من التتار وحرروه نهبًا وسبيًا وأسروا القاضي وأخذوه عريان مكشوف الرأس، وعملوا في رقبته حبلاً، ثم هرب أهل الدير ودخلوا البلد مضروبين مسلوبين، من يراهم يبكي أكثر من بكائهم، ثم أدخل القاضي تقي الدين البلد وقد أسرت بناته وخلق من أقاربه،